على هامش ملتقى النص 22 في جدة، أخذني الأستاذ خير الله زربان، الإعلامي القدير، جانبًا، حيث كان المهندس زهران بن علي السلوك يوقّع كتاب «ذكريات ومواقف» لوالده، المؤرخ الكبير علي بن صالح السلوك، رحمه الله، واستلام نسختي منه.
في العادة لا نقرأ الكتب المهداة في الحال؛ نؤجلها إلى وقت لاحق، أو تبقى على الرف كذكرى لطيفة. لكن هذا الكتاب لم يسمح لي بوضعه بعيدا، ربما لأنه لامس شيئًا في داخلي، أو لأنه يتناول بيئة أعرف ملامحها جيدًا، وأترقب منذ زمن ما خفي من ماضيها القريب.
منذ الصفحات الأولى بدا جليا أن الكاتب لا يجامل ولا يسعى إلى كسب رضا أحد. أسلوبه في السرد خام ومباشر، أقرب إلى البراءة والفطرة؛ إذ ترك للذاكرة أن تكتب نفسها بصدق، من غير تزيين أو رتوش لغوية.
الأماكن التي جرت فيها الأحداث، رغم اتساعها الجغرافي، بدت محكومة بضيق في المعيشة والعمل وبنية المجتمع، يقابلها في الوقت نفسه طموح دائم لدى المؤلف في الازدهار الشخصي ورغبة حادة في تغيير الواقع وتحديثه. وفي مثل هذا المناخ، لم تكن تجربته مجرد سيرة يومية عادية، وإنما احتكاكًا مباشرًا بينه وبين بيئته المحيطة، والتي ما خلت بطبيعة الحال من التوتر والمجازفة.
وما لفتني أكثر أنه لم ينحز لنفسه بالكامل؛ فقد ترك أخطاءه مكشوفة، وذكر حتى العبارات المسيئة له كما هي، دون محاولة لتلميع صورته أو تقديم ذاته باعتبارها غير قابلة للهزيمة. وهذا، في تقديري، هو الاختبار الحقيقي للمذكرات: أن تقدّم صاحبها كما هو، لا كما يُراد له أن يبدو.
وعلى خلاف بعض المذكرات التي تميل إلى إعادة ترتيب الذاكرة بما يجعلها أكثر قبولًا، كانت هذه التجربة أقرب إلى الصراحة القاسية. وحين تُكتب السيرة بهذا القدر من الوضوح، فإنها تثير القلق أحيانًا والحرج، لكنها دون شك تكسب قيمتها ومصداقيتها واحترامها وقدرتها على البقاء.
وبقي القول: أن الكاتب قدم سيرة شاقة لرجل مستنير عاش في زمن مختلف، ودوّن بشفافية عالية حال المجتمع القروي في ذلك الوقت: عاداته، وتقاليده، ووعيه، ومعاناته، وإشكالاته، وتحولاته. لذلك فهو عمل يستحق القراءة والتأمل واستخلاص الدروس.
0






