
في اليوم العالمي لحرية الصحافة، تتوقف الكلمة قليلًا لتتذكر أصحابها، وتستعرض صحيفة مكة الإلكترونية سيرة أحد أبرز كتّاب الرأي في العالم العربي: طارق الحميّد، ذلك الاسم الذي ارتبط بتحليل السياسة من داخل الحدث، وصنع من مقاله مساحة للفهم العميق.
وُلد في المدينة المنورة، وبدأ مسيرته الصحفية منذ سنوات مبكرة، متنقلًا بين العمل الميداني والتحريري، حتى رسّخ حضوره في الصحافة العربية عبر الشرق الأوسط التي تولى رئاسة تحريرها، وأسهم في تطوير خطابها السياسي، كما حضر في الإعلام المرئي عبر العربية، ليجمع بين الكلمة المكتوبة والصوت الإعلامي المؤثر.
لم يكن طارق الحميّد مجرد ناقل للخبر، بل أحد الذين أعادوا تعريف المقال السياسي بإعتباره أداة تحليل ووعي، حيث ارتبط اسمه بقراءة الملفات الإقليمية الكبرى، من تحولات الشرق الأوسط إلى تعقيدات العلاقات الدولية، مقدمًا خطابًا واضحًا ومباشرًا، يتجنب الزخرفة لصالح المعنى، ويمنح القارئ خلاصة مركّزة تقوده إلى فهم أعمق للمشهد.
لا يكتب طارق الحميّد من هامش الحدث، بل من عمقه؛ إذ تتجاوز مقالاته حدود السرد إلى تفكيك المعنى، حيث يحوّل الوقائع السياسية إلى قراءة استراتيجية واضحة المعالم. يعتمد أسلوبًا مباشرًا وجملًا مكثفة، تُفضي إلى موقف صريح لا يوارب ولا يختبئ خلف العموميات، وهو ما جعل حضوره في صفحات الشرق الأوسط امتدادًا لمدرسة صحفية ترى أن الكلمة مسؤولية في تشكيل الوعي.
القارئ لمقالات طارق الحميّد يدرك أنه أمام “كاتب سياسي بارز”، وكاتب بنية قبل أن يكون كاتب رأي؛ أي أنه لا يكتب الفكرة فقط، بل يبنيها، ويقود القارئ عبرها حتى يصل إلى نتيجة محددة سلفًا.
يعتمد في كتاباته على ما يمكن تسميته بـ الافتتاح الحاكم؛ حيث يبدأ مقاله بجملة تؤطر المشهد وتختصر احتمالاته، يضع القارئ مباشرة داخل زاوية قراءة واضحة. هذه البداية تعد إعلان مبكر عن “موقف ذهني” سيتكفّل المقال بتبريره لاحقًا. ومن هنا، يبدو أن الحميد يكتب وهو يعرف تمامًا إلى أين يريد أن يصل.
بعد ذلك، يعتمد على التدرّج البنائي؛ إذ لا يقفز بين القضايا، بل يربطها بخيط منطقي متصل. يبدأ من حدث، ثم ينتقل إلى سلوك، ثم إلى سياق، ثم إلى نتيجة. هذا التدرج يمنح مقاله طابع “السرد التحليلي”، حيث تتراكم العناصر لتشكّل في النهاية صورة كلية. اللافت أنه يُحسن توسيع الدائرة تدريجيًا، فينتقل من جزئية محددة إلى مشهد إقليمي أو دولي أوسع، دون أن يشعر القارئ بانقطاع في المسار.
أما على مستوى اللغة، فيكتب الحميد بلغة مباشرة، خالية من الزخرفة، لكنها ليست فقيرة؛ بل هي لغة وظيفية عالية الكفاءة، تؤدي المعنى بأقل عدد ممكن من الكلمات. جُمله قصيرة نسبيًا، وإيقاعها سريع، وهو ما يجعل نصه قابلًا للقراءة السلسة، دون أن يفقد عمقه. هذه المباشرة اختيار واعٍ يتناسب مع طبيعة المقال السياسي الذي يستهدف الوضوح والتأثير لا الاستعراض البلاغي.
ومن أبرز ملامح كتاباته أيضًا إدارة الاحتمالات؛ فهو لا يكتفي بتقديم نتائج قطعية دائمًا، لكن يفتح سيناريوهات متعددة، ثم يرجّح بينها أو يتركها مفتوحة ضمن إطار محدد.
هذه التقنية تمنح مقاله بعدًا استشرافيًا، وتُظهره ككاتب يقرأ ما وراء الحدث، لا ما يقع أمامه فقط. لكنه، في اللحظة الأخيرة، غالبًا ما ينتقل من الاحتمال إلى الحكم، حيث ينهي مقاله بجملة حاسمة، تختزل موقفه بوضوح، وتغلق الباب أمام التأويل.
في بعض نصوصه، يتجاوز التحليل إلى تفكيك الخطاب؛ أي أنه لا يناقش الحدث بقدر ما يناقش “الرواية” التي تُبنى حوله. هنا يتحول من محلل إلى ناقد، يكشف التناقضات، ويقارن بين الأقوال والأفعال، ويعيد ترتيب الوقائع ليُظهر ما يعتبره خللًا في السرديات السياسية. وفي نصوص أخرى، يتجه إلى بناء الأطروحة، حيث يقدّم مفهومًا أو تفسيرًا جديدًا، ثم يدعمه بالأمثلة والوقائع، ليصنع سردية متماسكة تعكس رؤيته.
نبرة الحميّد تتغيّر حسب الموضوع؛ فهي قد تكون هادئة تحليلية في القضايا الاستراتيجية، وقد تصبح حادة مباشرة في المقالات النقدية، لكنها في الحالتين تبقى نبرة واثقة، تعكس كاتبًا لا يتردد في إعلان موقفه. هذه الثقة تأتي من وضوح الفكرة وتماسك البناء.
طارق الحميّد يكتب وفق معادلة دقيقة: فكرة واضحة، بناء متدرج، لغة مباشرة، وخاتمة حاسمة. وهو في ذلك يقدّم المقال كأداة لتوجيه الفهم وصياغة الموقف، مما يجعله أحد النماذج الواضحة لكتابة الرأي التي تمزج بين التحليل والتأثير، وتتعامل مع الكلمة باعتبارها فعلًا سياسيًا أكثر من كونها نصٌ مكتوب.
وخلال الأشهر الماضية، تعرّض الحميّد لوعكة صحية، نسأل الله أن يمنّ عليه بالشفاء التام ودوام العافية، وأن يعود قلمه حاضرًا كما عهدناه، في وقتٍ أحوج ما تكون فيه الصحافة إلى الأصوات التي تكتب بوعي، وتقرأ ما وراء الحدث لا ما فوقه.
وتبقى صحيفة مكة الإلكترونية، وهي تستعرض هذه المسيرة، وفيةً لذاكرة الكلمة، مؤمنةً أن الصحافة ليست مهنة عابرة، بل أثرٌ يُصنع، ورجالٌ يُخلّدهم ما يكتبون.






