المقالات

انتشار ظاهرة الموت في سن الـ (25)

تُعد مقولة بنجامين فرانكلن (Benjamin Franklin)، أحد الآباء المؤسسين للولايات المتحدة الأمريكية أن: «معظم الناس يموتون عند الخامسة والعشرين، ويُدفنون عند الخامسة والسبعين» من أكثر العبارات عمقاً وإثارة للتأمل؛ لأنها لا تشير إلى الموت البيولوجي بقدر ما تكشف عن نوعٍ آخر من الموت، صامتٍ وخفي، يحدث بينما الجسد ما يزال حياً. فالمقصود هنا ليس توقف القلب، بل انطفاء الشغف، وتراجع الرغبة في التعلم، وخفوت ذلك الفضول الذي كان يوماً ما يدفع الإنسان لاكتشاف الحياة. عند سن الخامسة والعشرين تقريباً، يكون الإنسان قد أنهى مرحلة التشكّل الكبرى، حيث استقرت ملامح شخصيته، وتحدد مساره المهني، وتكوّنت قناعاته الأساسية. عند هذه النقطة، يبدأ بعض الناس في الانزلاق إلى نمطٍ متكرر من العيش؛ تتشابه الأيام، وتتقلص مساحة المغامرة، ويحلّ الروتين محل الدهشة. لا يموت الإنسان هنا جسدياً، لكنه يتوقف عن “العيش الحقيقي”، فيتحول إلى كائن يؤدي أدواره اليومية دون حافزٍ أو رغبة في التغيير.

ويزداد هذا التحول وضوحاً مع بداية مرحلة الاستقلال الأسري، حين يتجه كثيرون إلى الزواج وتكوين أسرة. ومع قدوم الأبناء، ينشغل الآباء والأمهات بمسؤوليات التربية وتأمين المستقبل، فيسخّرون وقتهم وجهدهم لأدوارهم الجديدة. وفي خضم هذه الالتزامات، قد يتراجع الاهتمام بالذات، فتُؤجَّل العناية بالصحة، وتُرحَّل الطموحات الشخصية، وتتقلص المساحات التي كانت تمنح الحياة معناها وحيويتها. ويمكن ملامسة هذا “الموت المبكر” من خلال أمثلة واقعية؛ كحالة امرأة انفصلت أو ترمّلت في سن مبكرة، فاختارت أن تكرّس حياتها بالكامل لأبنائها، مؤجلةً ذاتها وطموحاتها. تمضي السنوات وهي تعطي بلا توقف، حتى إذا كبر الأبناء واستقلوا بحياتهم، وجدت نفسها أمام فراغ لم تستعد له، وقد فقدت كثيراً من ملامحها الخاصة. وكذلك قد نرى رجلاً يذوب في عمله منذ شبابه، فيجعل وظيفته محور حياته الوحيد، ويؤجل علاقاته واهتماماته، حتى إذا انتهت مسيرته المهنية، وجد نفسه بلا معنى واضح خارج إطار العمل.

هذه الصور لا تنتقص من قيمة المسؤولية أو التضحية، لكنها تكشف خطورة اختزال الحياة في بُعدٍ واحد، مهما كان نبيلاً. فالموت هنا لا يعني نهاية الحياة، بل انكماشها، وتراجعها إلى حدود ضيقة تفقد الإنسان توازنه وامتلاءه. أما الإشارة إلى سن الخامسة والسبعين، فهي تمثل النهاية البيولوجية، لحظة الدفن الفعلية، لكنها تبرز مفارقة مؤلمة؛ إذ قد يكون الإنسان قد “غادر الحياة” معنوياً قبل ذلك بسنوات طويلة دون أن يشعر. ومع ذلك، فإن هذه المقولة لا ينبغي أن تُفهم بوصفها حكماً حتمياً، بل بوصفها جرس إنذار يدعو إلى مراجعة الذات، وعدم الاستسلام لجمود الحياة. فالإنسان قادر، في أي مرحلة من عمره، على استعادة شغفه، وإعادة اكتشاف ذاته، وكسر النمط الرتيب الذي قد يفرضه الواقع. إن الحياة لا تُقاس بعدد السنوات التي نعيشها، بل بعمق ما نعيشه فيها. ومن هنا، تتحول هذه المقولة من توصيفٍ لواقعٍ شائع إلى دعوة صريحة لأن نعيش بوعي، وأن نحافظ على إنسانيتنا المتجددة، وألا نسمح للزمن بأن يسرق منا جوهر الحياة بينما نظن أننا ما زلنا نعيشها.

د. عبدالله علي النهدي

عضو هيئة التدريب في معهد الإدارة العامة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى