
في قلب “واحة الملك سلمان” بالرياض، وبين مساحاتٍ خضراء تعكس رسالة الاستدامة التي تتبناها المملكة، حضرتُ مساء الأربعاء 6 مايو 2026 إحدى الجلسات الحوارية ضمن فعاليات أسبوع البيئة السعودي 2026، الذي جاء هذا العام تحت شعار «آثرك أخضر». وكانت الجلسة بعنوان: «مستقبل البيئة والاستدامة.. من مختبرات الأبحاث إلى ريادة الأعمال البيئية»، بمشاركة نخبة من المختصين والقيادات في القطاع البيئي والابتكاري، وهم: د. محمد المعيقلي، ود. عبدالعزيز السويلم، وأ. عبدالرحمن الفوزان، ود. نواف بن درويش.
الجلسة لم تكن مجرد حديثٍ عن البيئة بمفهومها التقليدي، بل كانت قراءةً حقيقية لمستقبل الاقتصاد الأخضر في المملكة، وكيف أصبحت الاستدامة اليوم جزءًا من الرؤية الوطنية، وفرصةً استثمارية واعدة للشباب والمبتكرين ورواد الأعمال.
وتحدث أ. عبدالرحمن الفوزان عن دور صندوق البيئة وعلاقته بالمراكز البيئية، موضحًا أن رؤية المملكة 2030 جعلت الاستدامة إحدى ركائزها الأساسية، وانبثقت عنها الاستراتيجية الوطنية للبيئة التي أُطلقت عام 2019، ومنها تأسست خمسة مراكز بيئية متخصصة. وأشار إلى أن وجود هذه المراكز استدعى إنشاء “صندوق البيئة” ليكون المحرك والداعم للمبادرات والمشروعات البيئية، مؤكدًا أن المملكة اليوم تُعد “أرض الفرص” لكل مبتكر يملك فكرة متوائمة مع التوجهات البيئية الحديثة.
ولفت إلى أن قطاع البيئة لم يعد قطاعًا محدودًا، بل أصبح مساحة واسعة للابتكار والاستثمار، خاصة مع المبادرات الكبرى مثل “السعودية الخضراء” والمشروعات العملاقة التي تتبنى مفاهيم الاستدامة. كما أشار إلى أن الصندوق لا يعمل بمعزل عن القطاع، بل يسهم في دعم الأبحاث والمبتكرين، وتقديم الحوافز والضمانات البنكية للمشروعات الناشئة التي تحتاج إلى تمويل للدخول إلى السوق، في خطوة تعزز الاستثمار البيئي وتدعم استدامته ماليًا.
من جانبه، تحدث د. محمد المعيقلي عن الجانب الإنساني والفكري في ريادة الأعمال، مؤكدًا أن “تغيير العقلية” هو أصعب مرحلة قد يمر بها الإنسان، خاصة حين يعتاد نمطًا معينًا منذ الصغر. وأشار إلى أن التطور لا يحدث ما لم يقرأ الإنسان ويشاهد ويستمع باستمرار، مستشهدًا بحقيقة أن نسبة كبيرة من المشاريع الريادية تنتهي بالفشل، ما يجعل الإصرار والتعلّم المستمر عنصرين أساسيين للنجاح.
أما د. عبدالعزيز السويلم، فتناول جانب البحث والتطوير والابتكار، موضحًا أن هذا المجال من أصعب المجالات وأكثرها تحديًا، لكنه في الوقت ذاته يمثل أساس تقدم الشركات الكبرى عالميًا، إذ إن أكثر الشركات نجاحًا هي الأكثر إنفاقًا على البحث والتطوير. وأكد أن من أبرز التحديات التي تواجه الباحثين اليوم هي مواكبة تغيرات السوق والتطلعات الحديثة، والانتقال من الأدوات التقليدية إلى الأدوات الحديثة للوصول إلى منتجات قادرة على المنافسة والنجاح.
وفي حديثه عن الاستثمار في الابتكار، أوضح أ. عبدالرحمن الفوزان أن الجهات الاستثمارية أصبحت تبحث عن المشاريع ذات الجدوى التطبيقية الحقيقية، وليس مجرد الأفكار النظرية، مشيرًا إلى أن بعض الجهات تقوم بتحليل مئات الشركات الناشئة بسبب ارتفاع المخاطر التقنية والتجارية، ما يبرز أهمية دراسة السوق وبناء المشروع بعقلية عملية واقعية.
وبرأيي، فإن ما يميز أسبوع البيئة السعودي هذا العام ليس فقط تنوع الجلسات أو حجم المشاركة، بل الطريقة التي يتم فيها تقديم “البيئة” بوصفها مستقبلًا اقتصاديًا وتنمويًا، لا مجرد ملف توعوي. فالمملكة اليوم تبني نموذجًا مختلفًا يجعل من الاستدامة فرصة للابتكار والاستثمار وصناعة الحلول، وهو ما يعكس تحولًا واضحًا في الفكر التنموي المرتبط برؤية 2030.
كما أن اختيار “واحة الملك سلمان” لاستضافة هذه الفعاليات منح الحدث بُعدًا بصريًا وإنسانيًا مختلفًا؛ فالمكان بهدوئه وتنظيمه ومساحاته المفتوحة عكس رسالة المبادرة بصورة جميلة، وجعل الزائر يشعر بأن الحديث عن البيئة لا يقتصر على المنصات والجلسات، بل يظهر حتى في تفاصيل المكان نفسه.
وفي ظل هذا الحراك، يبدو أن “آثرك أخضر” لم يكن مجرد شعار لأسبوع البيئة، بل رسالة عملية تؤكد أن الأثر الحقيقي يبدأ بالفكرة، ويتطور بالابتكار، ويستمر عندما تتحول الاستدامة إلى ثقافة وممارسة وفرصة للمستقبل .






