تمثل طرق الحجيج القديمة القادمة من جنوب المملكة العربية السعودية، ولا سيما عبر سراة بني سعد جنوب شرق الطائف وصولاً إلى مكة المكرمة، سجلاً حافلاً بقصص الكفاح والارتباط الوجداني بالمقدسات. لم تكن هذه الرحلة مجرد مسار ديني، بل كانت شرياناً اقتصادياً واجتماعياً اعتمد بشكل كلي على “هندسة البقاء” المتمثلة في موارد المياه الطبيعية والآبار التي حفرها الأقدمون لتكون شواهد باقية على حُسن الرفادة وعراقة الاستيطان.

الاستاذ. محمد بن رجا بن عميرة الذويبي
ولاسيما ان محطات الراحة وموارد المياه في أعالي سراة بني سعد
بحسب ما أورده لـ صحيفة مكة الاكترونية الاستاذ. محمد بن رجا بن عميرة الذويبي، قائلاً لقد اعتمدت قوافل الحجيج والقوافل التجارية قديماً على الدواب في تنقلاتهم، مما جعل توفر المورد المائيه ضرورة قصوى لسقي الحلال وتزود الركبان. ومن أبرز مصادر المياه التاريخية:
وصلة سد زيان وعين وادي الخرب: من أهم المناهل في أعالي قرى الذويبات، حيث كانت المحطة الأولى للتزود بالماء قبل مواصلة المسير الوعر.
كيف لا وبئر الشّاخ: بئرٌ عُرفت بروح العطاء، إذ كانت متاحاً للجميع دون استثناء، يرتوي منها المسافر وحلاله في حله وترحاله.
وكذالك ماء أبو صفيان: مورد استراتيجي لا ينضب، اعتبره “الجمالة” وأهل البادية مركزاً حيوياً لتأمين احتياجاتهم المائية.
وغدير الطّاشة: الذي يستمد مياهه من شلال الطاشة الشهير، وقد نال اهتماماً كبيراً حتى في العصور الحديثة أثناء شق طريق الطائف – بني سعد السياحي نظراً لغزارة مياهه.
وكذالك ماء الحُويمض وفضية الطوي: موارد موغلة في القدم، وقد ذكرت “فضية الطوي” في أرجوزة الخولاني الرداعي قبل أكثر من 1300 عام، وحظيت باهتمام خاص من جيرانها ابناء سراة بني سعد الذين تعاهدوا تعميقها وتجديدها سنوياً لمواجهة تقلبات السيول.
وتعد بئر المِسَد: المطوية بالحجارة بإتقان هندسي عجيب منذ قرون، والتي تقع على جادة رئيسية تسلكها القوافل المتجه صوب مكة.

الشاعر. محمد سعيد الذويبي
كذالك كان لـ صحيفة مكة إلكترونية لقاء مع الشاعر محمد سعيد الذويبي الذي خلدت قصائده في موطن كثيرها وكان منها قصيدة طويلة عن “فضية المعين” وعذوبة مياها، مستذكراً منها بيتين يقول فيها
يامياه المعين أمن الصخر تنبعين
الله الي خلقها للعباد اجمعين
القوافل تردها من شمال ويمين
تحت ضل البلاد الطاهرات امنين
وذكرت كلمة “مَعِين” في القرآن الكريم بمعنى الماء الجاري، الظاهر، أو سهل التناول، وقد وردت في أربعة مواضع سياقية:
•سورة الصافات (45): ﴿يُطَافُ عَلَيْهِم بِكَأْسٍ مِّن مَّعِينٍ﴾.
•سورة الواقعة (18): ﴿بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِّن مَّعِينٍ﴾.
•سورة الملك (30): ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا فَمَن يَأْتِيكُم بِمَاءٍ مَّعِينٍ﴾.
•سورة المؤمنون (50): ﴿وَآوَيْنَاهُمَا إِلَىٰ رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ﴾.
والمعين هو الماء السائح (الجار) على وجه الأرض،
وتعد المعين صفاء مرور القوافل والرعاة وعابري السبيل الذين استظلوا بظلها وارتووا من نميرها.

الباحث في علم الفلك الزراعي، الأستاذ عبدالملك بن محمد بن عميرة الذويبي،
كيف لا ودروب العابرين وهندسة التعريف بالمياه
يؤكد لـ صحيفة مكة الاكترونية الباحث في علم الفلك الزراعي، الأستاذ عبدالملك بن محمد بن عميرة الذويبي، الذي قال أن الطبيعة الجبلية الوعرة جعلت الحصول على الماء مشقة بالغة. ولأن أغلب السالكين لهذه الدروب غرباء عن الديار، فقد عمد أهل المنطقة إلى: وضع الشارات: للتعريف بأماكن المياه المستترة.وحفر الآبار والفضي: وتوسيع “الحسي” على المسالك لضمان كفايتها لكل عابر سبيل.
ومن الشواهد التي ذكرها الأستاذ عبدالملك: ماء وادي صرة على ضفاف دروب اودية قرية خفاش احد قرى الذويبات، وهو دربٌ عرفه الرعاة والمسافرون منذ أمد بعيد. ووادي جدارة: الذي يُعد مضرب مثل في طيب مياهه وكثرة آباره وبساتينه، حيث كان الحجيج يفضلون سلوكه لينالوا من عذوبة مائه وثمره.ووادي المعدن: الذي كان “جادة” رئيسية يعبرها السالكون ويتزودون من مياهه الطيبة قبل دخول المشاعر.ومن الآبار اليدوية إلى النهضة المائية الشاملة
واختتم الكاتب والإعلامي عبدالله الذويبي المحرر في صحيفة مكة الاكترونية قائلاً ، انتقلت خدمات المياه في المملكة من الاجتهادات المحلية إلى منظومات عالمية متطورة، بفضل الرؤية الثاقبة للمؤسس الملك عبدالعزيز -رحمه الله-، الذي أحدث نقلة نوعية عبر: إصلاح العيون التاريخية: مثل (عين زبيدة، حنين، والزعفرانة).
وعين الملك عبدالعزيز: التي أجراها من وادي المضيق لتغذية العاصمة المقدسة.
البنية المتكاملة: إنشاء الأسبلة، المناهل، الخزانات، وشبكات المياه المتطورة. وفي العهد الزاهر.. سقاية لا تنضب في ظل قيادة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز وسمو ولي عهده الأمين الأمير محمد بن سلمان -حفظهما الله-، تحولت تلك الموارد القديمة إلى معالم تاريخية تُروى، بينما تُسقى المملكة اليوم عبر أضخم شبكات التحلية في العالم.
إن بئر “المسد” وفضية الطوي بوادي طوى في بني سعد وغيرها من الابار والموارد، ستبقى شاهدة على أن خدمة الحاج وهي”الأمانة العظمى” التي بدأت بجهد إنسان هذه الأرض القديم، وتوجت اليوم بمنظومات تقنية جبارة، لتظل المملكة العربية السعودية دائماً وأبداً هي الرائدة في رعاية المقدسات وسقاية ضيوف الرحمن.







