المقالات

ورحل والدي

ورحل والدي الغالي عبدالقادر أبو عوف الأحمدي مساء يوم الأربعاء الماضي عن هذه الدنيا الفانية، رحل والدي من دنياه إلى رحمة الله تعالى فلا عيش إلا عيش الآخرة، رحل والدي من دنيا لا مقدار لها ولا أي وزن عند خالقها فهي كجناح بعوضة، رحل بعد معاناة طويلة مع المرض بدأت بظرف صحي طارئ منذ سنوات مضت وانتهت بظروف صحية متتالية تكالبت عليه حتّى آخر أيامه في المشفى رحمه الله.

وقد جاء ذلك الاتصال الأخير من الطبيب المختص بحالته حين تواصل على جوالي وتحدث معي بصورة واضحة تماماً عن تطورات الحالة الصحية، وسرعة تردي الوضع الصحي بعد أن فقد والدي كفاءة العديد من الأعضاء في جسده وصولاً إلى توقف عضلة القلب وباءت كل محاولات التدخل الطبي السريع بالفشل، ثمّ اختصر بقية الكلام بقوله: عظم الله أجرك في والدك.

وأحسبه والله حسيبه أنه تُوفي “مبطون”ونرجو من الله سبحانه أن يُكتبه في عداد الشهداء، ولعل ما يُريح النفس صبره على قضاء الله وقدره منذ أن اُُبتلى بمرضه العضال. ومن فضل الله على والدي أنه تُوفي في هذه الأيام الشريفة المباركة وأدى الصلاة عليه جموعاً كبيرة جداً من المصلين من حجاج بيت الله الحرام ولله الحمد والمنة.

وأيضاً من فضل الله وكرمه على والدي أن بعد الانتهاء من غسيله في مغسلة جامع المهاجرين وللوهلة الأولى عند السلام عليه وإلقاء النظرة الأخيرة والدعاء له وجدناه مبتسماً وكأنها رسالة سعيدة منه ومطمئنة رحمه الله إلى أهله وذويه ومحبيه يقول فيها: إنني في رحمة واسعة من الله. وكل الظن الحسن بالمولى عز وجل أنه رأى مايُسره عند خالقه بمشيئة الله تعالى من مقام كريم.

ولذلك ومنذ أن ألهمني الله وبتوفيق منه الصبر والتحمل عندما وصلني الخبر من الطبيب المعالج، وبعد أن نطق لساني مباشرةً بقول: إنا لله وإنا إليه راجعون، ولاحول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم،”اللَّهُمَّ أْجُرْنِي فِي مُصِيبَتِي، وَأَخْلِفْ لِي خَيْرًا مِنْهَا”. كان قلبي فيها مطمئن على حال والدي.

وبالفعل الصبر عند الصدمة الأولى أسأل الله فيها الأجر والثواب، ولا أنسى موقف صديقي المرافق لي أثناء تلقي خبر الوفاة أ. هاني نحاس في التذكير بالله وخاصة في مثل هذه المواقف العصيبة. ومما زادني اطمئنان وراحة ما وجدته لاحقاً من ملامح وجهه الباهي، والحمد لله الذي لا يحمد على مكروه سواه.

وعادت بي الذاكرة قليلاً وتذكرت تفاصيل حياته الوظيفية رحمه الله في فرع صيانة الأمن العام بمكة المكرمة فقد كان مؤتمناً على الملايين من الريالات حيث كان رئيساً لقسم المحاسبة، ولم تعطيه نفسه يوماً ما حتّى ولو مجرد التفكير أن يُحلل لنفسه هللة واحدة، بل اضطر يوماً إلى بيع سيارته الخاصة لاستكمال بناء مسكنه..!

فقد كان يبرأ إلى الله من أخذ ريال واحد من صندوق الدولة دون أي وجه حق وهذا ما ربانا عليه وأكد بشأنه طوال حياته. فكان يُحذرنا أشد الحذر من الاستيلاء على أموال الدولة، أوالناس بالباطل. بل كان العكس فقد عانى من تصرفات بعض الأشخاص الذين تنازل عن حقه الخاص معهم لوجه الله.

وماهون عليٓ مصيبة رحيل والدي الغالي شهادة المصلين له في مسجد الحي أثناء تلقى التعازي بأنه كان كحمامة المسجد على الرغم من ظروفه الصحية الصعبة والناس شهود الله في أرضه، كما أنه كان يتعهد قراءة القرآن الكريم يومياً قبل اشتداد المرض عليه. غفر الله لوالدي ورحمه وأسكنه الفردوس الأعلى من الجنة وجميع موتى المسلمين والمسلمات.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى