كتاب الرأي

من اقتصاد المشاريع إلى اقتصاد المنظومات

ليست كل الاستراتيجيات الجديدة تعني تغييرًا في الاتجاه، فبعضها يمثل انتقالًا في طريقة التفكير، وهذا ما تعكسه استراتيجية صندوق الاستثمارات العامة للأعوام 2026–2030. فالتحول الأبرز فيها لا يكمن في زيادة حجم الاستثمارات أو إطلاق مشاريع جديدة، بل في إعادة تعريف الدور الذي يؤديه رأس المال في الاقتصاد الوطني.

خلال السنوات الماضية، قاد الصندوق مرحلة تأسيسية اتسمت بسرعة الإنجاز وضخامة المشاريع، وأسهم في بناء قطاعات جديدة وتعزيز مكانة المملكة على خارطة الاستثمار العالمي، أما اليوم، فأن الأولوية انتقلت من بناء الأصول إلى بناء القيمة، ومن تمويل المشاريع إلى تشكيل منظومات اقتصادية متكاملة قادرة على إنتاج أثر مستدام يتجاوز عمر المشروع نفسه.

وهذا التحول ليس مجرد تغيير في الأدوات الاستثمارية، بل يمثل نقلة في فلسفة التنمية الاقتصادية. فالاقتصادات الكبرى لا تُبنى على مشاريع ناجحة متفرقة، وإنما على منظومات مترابطة تتكامل فيها الصناعة مع الخدمات، والتمويل مع الابتكار، وسلاسل الإمداد مع الأسواق. ومن هذا المنطلق، تبدو المحافظ الاستثمارية الثلاث في الاستراتيجية الجديدة أقرب إلى أدوار متكاملة منها إلى تقسيمات مالية تقليدية.

فمحفظة الرؤية تتولى بناء المنظومات الاقتصادية ذات الأولوية، وفي مقدمتها السياحة، والتطوير العمراني، والصناعات المتقدمة، والخدمات اللوجستية، والطاقة النظيفة، و نيوم. ولا تكمن أهمية هذه القطاعات في حجمها فحسب، بل في قدرتها على تحفيز أنشطة اقتصادية أخرى، وخلق روابط إنتاجية بين الشركات، ورفع مساهمة المحتوى المحلي، بما يضاعف القيمة المضافة داخل الاقتصاد الوطني.

أما محفظة الاستثمارات الاستراتيجية، فتؤدي دورًا مختلفًا يتمثل في تعظيم قيمة الشركات الوطنية وتحويلها إلى كيانات أكثر قدرة على المنافسة إقليميًا وعالميًا. وفي المقابل، تمنح محفظة الاستثمارات المالية الصندوق مرونة أكبر في إدارة الأصول وتنويع مصادر العائد، بما يعزز الاستدامة المالية ويخفف أثر تقلبات الأسواق العالمية.

لكن الاستثمار في المنظومات أكثر تعقيدًا من الاستثمار في المشاريع المنفردة، لان نجاح أي منظومة يعتمد على مستوى التنسيق بين أطرافها، وعلى قدرة الشركات والمؤسسات المختلفة على العمل ضمن هدف اقتصادي مشترك، لذلك، فإن الحوكمة تصبح في هذه المرحلة عنصرًا استراتيجيًا لا يقل أهمية عن التمويل نفسه. فكلما ازدادت الاستثمارات وتشابكت، ازدادت الحاجة إلى وضوح الأدوار، وتكامل القرارات، ووجود مؤشرات أداء تقيس القيمة الاقتصادية الفعلية، لا حجم الإنفاق فقط.

ويبرز القطاع الخاص بوصفه الشريك الطبيعي لهذا التحول، فالاستراتيجية لا تنظر إليه باعتباره منفذًا للمشروعات، بل طرفًا يشارك في الاستثمار والتشغيل وتطوير سلاسل القيمة، وهذا التوجه يمنح الشركات الوطنية فرصة للانتقال من تنفيذ العقود إلى بناء أعمال مستدامة ترتبط بالمنظومات الاقتصادية الجديدة، وهو تحول أكثر أهمية من أي فرصة استثمارية قصيرة الأجل.

ومن هنا، تتغير أيضًا طريقة قراءة المستثمر السعودي للفرص، لان التركيز في السابق ينصب على المشروع ذاته؛ أما اليوم، فأصبحت القيمة الحقيقية تكمن في الموقع الذي يحتله الاستثمار داخل المنظومة الاقتصادية. فالشركة التي تقدم حلولًا لوجستية أو تقنية أو صناعية مرتبطة بمنظومة كاملة ستكون أكثر قدرة على تحقيق نمو مستدام من شركة تعتمد على مشروع منفرد أو عقد مؤقت، فالمنظومات تخلق طلبًا متواصلًا، بينما تنتهي المشاريع بانتهاء دورة تنفيذها.

ومع ذلك، يبقى التنفيذ هو التحدي الأكبر. فالمشاريع الضخمة بطبيعتها أكثر عرضة للتأخير وارتفاع التكاليف، كما أن اتساع حجم الاستثمارات يفرض تنسيقًا عاليًا بين الشركات والجهات المختلفة، كما يضاف إلى ذلك تأثير المتغيرات العالمية، سواء في أسعار الفائدة أو سلاسل الإمداد أو التحولات التقنية المتسارعة، وهي عوامل تتطلب مراجعة مستمرة لأولويات الاستثمار وقدرة عالية على التكيف مع المتغيرات.

كما أن نجاح المنظومات الاقتصادية لن يتحقق من دون الاستثمار في رأس المال البشري، فإدارة مشاريع بهذا الحجم، وتشغيل قطاعات متقدمة، واستيعاب التقنيات الجديدة، تتطلب كوادر وطنية تمتلك الخبرة والمهارة والقدرة على اتخاذ القرار و نقل المعرفة، ولذلك فإن الاستثمار في الإنسان سيظل شرطًا أساسيًا لتعظيم العائد من الاستثمار في الأصول.

في تقديري، تحمل استراتيجية صندوق الاستثمارات العامة رسالة تتجاوز حدود الصندوق نفسه؛ فهي تعكس تحولًا في النموذج الاقتصادي الذي تتبناه المملكة، لان المرحلة المقبلة لن تُقاس بعدد المشاريع التي تُطلق، ولا بحجم الأموال التي تُضخ، وإنما بقدرة هذه الاستثمارات على بناء اقتصاد أكثر إنتاجية وترابطًا وتنافسية.

يبقى السؤال الذي ستجيب عنه السنوات المقبلة: هل ستنجح المنظومات الاقتصادية في إنتاج قيمة تتجاوز حجم الإنفاق، بحيث يصبح القطاع الخاص هو المحرك الرئيس للنمو؟ إذا تحقق ذلك، فإن الاستراتيجية لن تكون مجرد خطة استثمارية جديدة، بل محطة فاصلة في مساءلة التحول الاقتصادي للمملكة.

د. عبدالعزيز بن عبدالله الخضيري

‏• رئيس مركز دار اثان للدراسات الاستشرافية و الاستراتيجية ‏• ⁠ وزير الثقافة و الإعلام السابق

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى