
فريق التحرير الرياضي
(عمر البسام ، عهود الزهراني)
لم يكن خروج ألمانيا من دور الـ32 مجرد مفاجأة في النتائج، بل كان درسًا تكتيكيًا جديدًا في كرة القدم الحديثة. ففي مباراة امتدت حتى ركلات الترجيح، نجحت باراغواي في تحييد أحد أقوى المنتخبات الأوروبية، لتؤكد أن الأدوار الإقصائية لا تُحسم بتاريخ المنتخبات أو نسبة الاستحواذ، وإنما بقدرة الفريق على إدارة التفاصيل الدقيقة في أصعب لحظات البطولة.
ألمانيا دخلت اللقاء مرشحة للتأهل، لكنها اصطدمت بمنتخب لعب بخطة واضحة، والتزم بها حتى صافرة النهاية، قبل أن يحسم المواجهة من علامة الجزاء.
مباراة مختلفة عن دور المجموعات
منذ الدقائق الأولى بدا أن باراغواي لا تنوي مجاراة ألمانيا في الاستحواذ، بل تركت الكرة للمنافس وركزت على إغلاق العمق الدفاعي، وتقليل المساحات بين الخطوط، مع الاعتماد على التحولات السريعة عندما تستعيد الكرة.
في المقابل، سيطرت ألمانيا على فترات طويلة من المباراة، لكنها واجهت صعوبة في تحويل هذه السيطرة إلى فرص خطيرة متكررة، لأن معظم هجماتها اصطدمت بجدار دفاعي منظم أجبرها على اللعب بعيدًا عن منطقة الجزاء.
الاستحواذ لم يكن كافيًا
تكشف الأرقام أن ألمانيا كانت الطرف الأكثر استحواذًا والأكثر تمريرًا، إلا أن هذا التفوق لم ينعكس على النتيجة.
فقد نجحت باراغواي في تقليل جودة الفرص الألمانية، وفرضت على منافسها إيقاعًا بطيئًا، لتتحول المباراة إلى صراع صبر أكثر من كونها مواجهة مفتوحة.
وهذه واحدة من السمات التي بدأت تظهر في دور الـ32، حيث أصبحت المنتخبات الأقل استحواذًا أكثر قدرة على المنافسة إذا امتلكت التنظيم والانضباط.
باراغواي… انتصار الخطة قبل الأسماء
ما ميّز باراغواي لم يكن الأداء الفردي، بل الانضباط الجماعي.
تحرك الخط الدفاعي كوحدة واحدة، ونجح لاعبو الوسط في إغلاق مسارات التمرير، بينما تعامل الفريق بذكاء مع فترات الضغط الألماني، دون اندفاع أو فقدان للتركيز.
وعندما وصلت المباراة إلى ركلات الترجيح، ظهر الجانب الذهني للفريق، إذ تعامل اللاعبون بثقة، بينما بدت الضغوط أكثر وضوحًا على الجانب الألماني.
ماذا كشفت المباراة عن ألمانيا؟
أعادت المباراة طرح سؤال مهم: هل ما زالت ألمانيا تعتمد على الاستحواذ أكثر من الفاعلية؟
رغم جودة الانتشار، فإن المنتخب الألماني افتقد للحلول الهجومية المتنوعة أمام الدفاع المتكتل، ولم ينجح في استغلال فترات سيطرته لفرض أفضلية حقيقية على لوحة النتيجة.
كما أن المباراة أظهرت حاجة الفريق إلى مزيد من التنوع في بناء الهجمات، خصوصًا أمام المنتخبات التي تدافع بعدد كبير من اللاعبين.
ركلات الترجيح… اختبار الأعصاب
في بطولات خروج المغلوب، تتحول ركلات الترجيح إلى مهارة مستقلة، تجمع بين الإعداد النفسي والتركيز والقدرة على التعامل مع الضغط.
وقد نجحت باراغواي في هذا الاختبار، لتقصي ألمانيا وتكتب واحدة من أبرز مفاجآت البطولة حتى الآن، مؤكدة أن الفارق بين التأهل والخروج قد يُحسم أحيانًا بثبات اللاعبين في لحظات معدودة.
ماذا يعني هذا التأهل؟
تأهل باراغواي لا يمثل إنجازًا للفريق وحده، بل يؤكد أن الفجوة بين كبار العالم وبقية المنتخبات أصبحت أضيق مما كانت عليه في النسخ السابقة.
فالمنتخبات المنظمة تكتيكيًا أصبحت قادرة على منافسة المرشحين، إذا التزمت بالخطة وأدارت المباراة بذكاء.
أما ألمانيا، فتغادر البطولة وهي مطالبة بمراجعة الكثير من الجوانب، وفي مقدمتها كيفية تحويل السيطرة إلى فاعلية، وكيفية التعامل مع المنتخبات التي تعتمد على الانضباط الدفاعي.
زاوية مكة
لم تنتصر باراغواي لأنها كانت أكثر استحواذًا أو امتلاكًا للنجوم، بل لأنها كانت الأكثر التزامًا بخطتها، والأكثر هدوءًا عندما وصلت المباراة إلى لحظاتها الحاسمة.
ويؤكد هذا اللقاء أن كأس العالم 2026 بدأ يرسل رسالة واضحة: في مباريات خروج المغلوب، لا تكفي السيطرة على الكرة… بل يجب أن تعرف ماذا تفعل بها.
اقتباس
“الاستحواذ يمنحك السيطرة على المباراة، لكن التنظيم والانضباط قد يمنحانك بطاقة التأهل.”






