المقالات

تشره عليّ وتعاتب

في يومٍ من أيام الزمان، وسالف العصر والأوان، اتصل عليَّ أخي وصديق السنين محمد عبده. هكذا حافًّا، لا مشنف الآذان ولا المبدع الفنان، فعندما نجتمع أنا وأخي محمد، الفن وكل الألقاب تتوارى وتمضي في خبر كان، وذلك مع سواليف الحياة، والمواقف التي مرت بنا، كلٌّ على حدة، حسب حياته وظروفه، وبعض النكات والكفشات.
محمد مرت عليه من المواقف المؤثرة الكثير، منها الجميل الأثير، ومنها الصعب المثير والطريف في نفس الوقت. عندما يحكي بعضها لا تتمالك نفسك من الضحك، ومن ثم ما يجود به فكرك من التعليقات المعفرتة ، وخاصة من حضرتنا.
ربما كأني شردت عن عنوان المقال، ولكني أشعر أني في صميمه، وهنا تبدأ الحكاية.
اتصل محمد وقال: الليلة أنا وبعض الأصدقاء سنكون في الاستراحة، حياك الله على ماها ومرعاها. لقد كان يوم شتاء، وشتاء جدة مهما صقع فهو سحابة صيف، وذاك وجه الضيف.
وتابع محمد وقال: بالإضافة إلى ماها ومرعاها، مولمين عشاءً خفيفًا، ولكن نريد الحلا منك.
قلت: الحين يمديني أجيب حلا يا محمد؟
قال: لا…. حلاك هو أن تجيب معك قصيدة، ودي أغني لك، فبعد جيتني مرحبابك ما التقينا في نص آخر.
ودار في خلدي نص كتبته من عدة سنوات، ظل عالقًا، أتذكره بين حين وآخر، وهو:
العين بحر
تشره عليّ وتعاتب
تقل لي طولت النظر
مقبول منك المعاتب
معذور وذا طبع البشر.
فحملته معي، فلحنه محمد وهكذا كان.
محمد ربما يتدلل على محبيه فنياً
ومن حقه، فهو أيقونة فن، وقامة طرب لا يفتر كل كاتب من التطلع إليها،لكنه لا ينسى.بل يبادر . كما حصل في العين بحر وكذلك عندما حقق الاتحاد احدي بطولاته أتصل عليً وقال يا أبو محمد إذا عندك كلام للاتحاد هاته ودي أهنيهم. فكتبت باقة زهور مقدمة لأغلي الحبايب عندنا. وكان قد غني قبلها فارس الملعب. ثم غني للاتحاد أيضا بعد ذلك اغنية زيهم مافي. محمد لم يغن إلا للاتحاد. ومن كلماتي والحان طلال باغر.
تدلل محمد فنيًا ليس لأنه تطنيش، ولكنه يجعل العمل الفني يتخمر ويتعتق حتى يمخمخ عليه. فالنص الجميل عنده يستحق أن يخرج وهو كامل البهاء، كغادة في يوم زفافها. وأعتقد أن عملنا الجديد القادم قد تحمر وتقمر وأينع وحان قطافه.
علي سيرة “تشره عليّ وتعاتب”، لم أذكر يومًا أني شرهت عليه أو عاتبته، وكذلك هو. فما بيننا “حار يا فول”، كل شيء جلي وبسيط، لا يتحمل: ليش؟ ولماذا؟ وإيش بك؟ ومع هذا و قول المتنبئ إِذا كُنتَ في كُلِّ الأُمورِ مُعاتِباً ** صَديقَكَ لَم تَلقَ الَّذي لا تُعاتِبُهْ
**. فأنني هنا سأشره وأعتب علي محمد وذلك علي إنتقاله من جوارنا الي حي المروة :ليه يا محمد لقد كانت الدار عامرة والمزار قريب..
مع أني أرفض المسافة التي سببها نقله من جوارنا وبرغم الشديد القوي من زحام السيارات وبعض متنوعات من المطبات. لبيت دعوة محمد على غدوة، مع أني من ذوي الوجبة الواحدة، هي وجبة العشاء، ورد غطاها. ذهبت لتسجيل الحضور.
جلسنا إلى مائدة الطعام، وهناك صحن به جرير، وجعلت آكل منه، ولم ألمس الطعام. فقال محمد: أنت يا أبو محمد، الإنسان ما يتعب معك.قلت: كيف؟
قال: صحن جرير، وربك يحب المحسنين. وفي ذلك اليوم الأثير كان أخي وصديقي عبادي الجوهر حاضراً وشاهداً علي أكلي للجرجير وأشهد بدوري إنه لم يزاحمني علي ذلك.
محمد من طيبه لا يرضى إلا أن يرافقني إلى باب المنزل، -وربما كان هدفه الخفي أن يتأكد من أني قد غادرت فعلاً. -. كما يستقبلني أمامه. وكان ذلك يومًا ممطرًا، والأرض زلقة، وكانت يدي بيده، ونمشي الهوينا.
فقلت له: انتبه يا محمد، لا تتزحلق قبل ما تغني أغنيتنا الجديدة.
طبعًا، كان هناك فاصل من الضحك.
وقبل أسبوعين تقريبًا دعاني للغداء، وقال: ترا قلت لهم لا يحطوا جرير، يصير مالك عذر.
فقلت مداعبًا: أجل أبشر بطول سلامة يا مربع.
المهم، ذهبت إلى منزله، وبحكم أنه لا يوجد جرير، أكلت مما تيسر.
وحضر الشاعر الرقيق صالح الشادي، وانهالت الحكايات، وما أجملها.
وكشف صالح عن جانب آخر قد أكون أنا فيه آخر من يعلم، وهو أن الفن لديه عامر، ليس شعراً وكتابةً وطربًا وحوارات وقد جمع أطراف الإبداع فيهم ، بل أشياء أخرى. فهو مدمن فن، فقد كانت لديه قناة تلفزيونية، ومن ثم لديه الآن إذاعة خاصة، دفع فيهما دم قلبه حبًا، لا صهللة، ولا “شوفوني”، و “لا تنسوني”.
صالح يهيم في الصحراء شهرين في العام، لا يرافقه إلا قلمه وكتابه، وهما يذودان عنه معارك الإعلام، وهموم الفن، وسنينه.
وقلت له معلقًا:
من يقرأ ومن يسمع يا صالح؟
أحيانًا الفن يدفعك للأمام، وكمان يأكل عيش، وأحيانًا أخرى ما يأكل حتي جرجير، وتبذل مالك على ما فيش. ولكن لا تشره ولا تعاتب يا صديقي فكلنا في الهم شرق. .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى