المقالات

بين الوعود والواقع: قراءة نقدية في أداء وزارة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية

أثار الإعلامي داود الشريان نقاشًا مهمًا عندما انتقد أسلوب وزارة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية في إدارة ملف التوطين، مؤكدًا أن التركيز على المداهمات المصورة للمحال التجارية لا يعكس جوهر التحديات التي يواجهها سوق العمل. وقال مخاطبًا وزير الموارد البشرية: “اللي يسوّونه ربعك يضرك ما نفعك… بطلوا الأفلام الهندية.” وهي عبارة لاقت صدى واسعًا لأنها فتحت باب التساؤل حول الأولويات في تطبيق سياسات التوطين.
لم يكن حديث الشريان اعتراضًا على مبدأ التوطين، بل دعوة إلى توجيه الجهود نحو الرقابة الميدانية الفعلية على الشركات الكبرى، والتحقق من نسب التوطين الحقيقية، بدلًا من الاكتفاء بحملات تستحوذ على الاهتمام الإعلامي أكثر من تركيزها على معالجة جذور المشكلة.
كما سبق للشريان أن أيّد قرار حظر العمل تحت أشعة الشمس، واعتبره قرارًا إنسانيًا وحضاريًا، لكنه شدد في الوقت نفسه على أن نجاح أي قرار لا يتحقق بإصداره فقط، بل بوجود رقابة فعالة تمنع التحايل عليه. وانتقد أيضًا مطالبة الوزارة للمواطنين بالإبلاغ عن المخالفات، مؤكدًا أن الرقابة وتطبيق الأنظمة مسؤولية أصيلة تقع على عاتق الجهات المختصة.
إن التوطين ليس مجرد نسبة تُعلن، ولا حملة تُوثق، ولا خبر يُنشر. التوطين الحقيقي هو أن يجد المواطن فرصة عمل مستقرة، وأن يشعر بأن كفاءته هي المعيار، وأن ينعكس ذلك على جودة حياته واستقرار أسرته.
والأهم من ذلك أن البطالة ليست مجرد تحدٍ اقتصادي، بل قضية إنسانية وصحية أيضًا. فالدراسات تشير إلى أن البطالة طويلة الأمد قد ترتبط بارتفاع مستويات القلق والضغوط النفسية والاكتئاب وتراجع الثقة بالنفس والشعور بعدم الاستقرار. ومن هنا، فإن كل وظيفة حقيقية لا توفر دخلًا فحسب، بل تسهم في حماية الصحة النفسية، وتعزيز الاستقرار الأسري، ودعم التماسك الاجتماعي.
ولهذا، فإن نجاح سياسات التوطين لا ينبغي أن يُقاس بعدد الحملات الرقابية أو حجم التغطية الإعلامية، وإنما بمدى قدرتها على خلق فرص عمل حقيقية ومستدامة، والحد من التوطين الشكلي، وضمان تكافؤ الفرص بين المواطنين.
النقد الموضوعي ليس هجومًا على المؤسسات، بل هو أحد أدوات تطويرها. وعندما يطالب الإعلام، والمختصون، والمواطنون بمزيد من الفاعلية والشفافية، فإنهم لا ينتقصون من الجهود المبذولة، بل يدعون إلى تعظيم أثرها وتحقيق أهدافها.
وفي النهاية، يبقى السؤال الذي يستحق أن يُطرح: هل سيقاس نجاح التوطين بعدد الجولات والمقاطع المصورة، أم بعدد المواطنين الذين وجدوا وظائف مستقرة تحفظ كرامتهم، وتمنحهم مستقبلًا أكثر أمانًا؟

د. مريم إبراهيم الحربي

ماجستير علم نفس إرشادي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى