
في ربيع عام 2015، أعلنت الصين واحدًا من أكثر المشروعات الرياضية طموحًا في تاريخها الحديث، حين أقرّت خطة إصلاح شاملة لكرة القدم تضمنت خمسين بندًا، هدفها تحويل البلاد إلى قوة كروية كبرى من الطراز الأول بحلول عام 2050. لم تكن الخطة مجرد إعلان طموح، بل مشروع دولة تبنّته أعلى مستويات القيادة، واستند إلى ثاني أكبر اقتصاد في العالم. وبعد أكثر من عقد على انطلاقها، تقف التجربة الصينية أمام سؤال كبير: كيف يمكن لدولة تمتلك المال والإرادة والسكان أن تعجز عن صناعة منتخب قادر على المنافسة؟
لم تكن الخطة الصينية تعاني نقصًا في الموارد أو غموضًا في الرؤية، فقد استهدفت إنشاء 50 ألف مدرسة متخصصة بحلول عام 2025، ورفع عدد الملاعب من نحو 11 ألف إلى أكثر من 70 ألف ملعب، وإدخال 50 مليون ممارس إلى اللعبة، بينهم 30 مليون طالب. كما أصبحت كرة القدم مادة إلزامية في مدارس كثيرة، وفُصل الاتحاد الصيني عن الإدارة العامة للرياضة ليحظى بمساحة أوسع من الاستقلالية الإدارية.
وتزامن ذلك مع موجة إنفاق غير مسبوقة، تسابقت فيها الشركات الكبرى إلى امتلاك الأندية واستقطاب أشهر اللاعبين والمدربين بعقود ضخمة. إلا أن هذا الازدهار أخفى اختلالًا هيكليًا عميقًا، إذ بلغ متوسط إنفاق أندية الدوري الممتاز نحو 1.1 مليار يوان سنويًا، بينما لم تتجاوز إيراداتها التقليدية 190 مليون يوان فقط، فعاشت معظم الأندية على دعم ملاكها لا على اقتصاد رياضي مستدام، وما إن واجهت تلك الشركات تحديات اقتصادية حتى انهارت معها أندية كانت تنافس على البطولات قبل أشهر.
على مستوى التنفيذ، حققت الخطة كثيرًا من أهدافها الرقمية، فتوسعت المدارس الكروية والملاعب، والتحق ملايين الأطفال ببرامج كرة القدم، غير أن هذه الطفرة الكمية لم تُترجم إلى تطور مماثل في جودة المخرجات، إذ تفاوت مستوى البرامج التدريبية بين المناطق، وافتقرت مدارس كثيرة إلى الكفاءات الفنية القادرة على اكتشاف المواهب وصقلها، فتحول التوسع إلى انتشار أفقي أكثر منه بناءً نوعيًا للاعبين القادرين على المنافسة الدولية.
هنا برزت واحدة من أهم مفارقات التجربة الصينية، إذ بدا أن المشروع تعامل مع كرة القدم كمشروعٍ هندسيّ يُقاس نجاحه بعدد المدارس والملاعب، بينما تقوم اللعبة في جوهرها على صناعة الإنسان قبل صناعة المنشأة. لان الموهبة لا تُنتجها الجداول الزمنية ولا تُولد بقرارات إدارية، بل تنمو في بيئة تدريبية مستقرة يقودها مدربون مؤهلون. وكرة القدم، خلافًا للألعاب الفردية، لعبة اجتماعية تنمو في الأحياء قبل الأكاديميات، فلا يُكتشف اللاعب الموهوب في الفصول الدراسية وحدها، بل يتشكل أيضًا في ملاعب الحواري وبين جماهير تنبض بالشغف، وهذا يتكون تدريجيًا عبر عقود من الممارسة والثقافة الرياضية، لا بقرار حكومي.
وفي المقابل ظل مدربو المنتخب الصيني يعملون داخل منظومة شديدة المركزية تحدّ من استقلالية القرار، كما بقيت علاقة كثير من الأندية الصينية بمجتمعاتها المحلية ضعيفة، فلم تتحول إلى حواضن حقيقية لاكتشاف المواهب، وهو ما انعكس على جودة القاعدة التي يفترض أن تُغذي المنتخب الوطني.
أما الميدان، فقد أصدر حكمه بوضوح، ففي تصفيات كأس العالم 2026 تلقى المنتخب الصيني خسارة ثقيلة أمام اليابان بسبعة أهداف دون مقابل، وأخرى أمام كوريا الجنوبية بثلاثة، ليتبدد حلم التأهل مجددًا رغم توسعة البطولة إلى ثمانية وأربعين منتخبًا، وتزداد المفارقة وضوحًا إذا علمنا أن الصين، بأكثر من مليار وأربعمائة مليون نسمة، لم تتأهل إلى كأس العالم إلا مرة واحدة عام 2002، خرجت فيها من الدور الأول دون أن تسجل هدفًا واحدًا، ومنذ عام 2019 تعاقب على تدريب المنتخب ستة مدربين، في مؤشر يعكس غياب استقرارٍ فني لا ينجح معه أي مشروع طويل الأمد.
ولم يكن الإخفاق الفنيّ سوى الوجه الظاهر لداءٍ أعمق، إذ نخر الفساد بنية المشروع من الداخل، ففي مطلع عام 2026 حظر الاتحاد الصينيّ مدى الحياة على ثلاثةٍ وسبعين شخصًا ممارسة أيّ نشاطٍ في كرة القدم، بينهم مدرّب المنتخب الأسبق، وعاقب ثلاثة عشر ناديًا بتهم التلاعب بالمباريات، في امتدادٍ لموجةٍ مماثلةٍ سبقتها دون أن تستأصل جذر الداء، تحوّلت أموال الدولة من رافعةٍ للبناء إلى إغراءٍ ينخر المؤسسة، إذ لا يكتمل بناء الإنسان دون نزاهة من يحتضنه.
إن التجربة الصينية لا تكشف عن فشل دولة في تنفيذ خطة رياضية فحسب، بل تقدم درسًا بالغ الأهمية لكل من يظن أن المال وحده قادر على صناعة البطولات، فقد امتلكت الصين تقريبًا كل عناصر القوة الظاهرة، لكنها لم تتمكن من صناعة منتخب ينافس على أعلى المستويات، والسبب أن كرة القدم ليست مشروعًا يُقاس بعدد المنشآت، بل بمنظومة متكاملة تُنتج لاعبًا أفضل عامًا بعد عام.
إنّ التجربة الصينية، في إخفاقها، تقدّم لكلّ أمّةٍ طامحةٍ نصيحةً بليغة: ابنِ الإنسان أوّلًا، فالملاعب تمتلئ بمن صنعتهم، لا بمن اشتريتهم.
ولذلك، فإن السؤال الحقيقي لم يعد: كم ينبغي أن ننفق؟ بل: كيف نبني منظومة تُخرج لاعبًا عالميًا بصورة مستمرة؟ ولعل في المقابل من هذا الإخفاق، تجربةً مغايرة تستحق التأمل.
حين بلغ المنتخب المغربي نصف نهائي كأس العالم عام 2022، اعتقد كثيرون أن ما حدث لم يكن أكثر من مفاجأة كروية جميلة، أو نتيجة لجيل استثنائي لن يتكرر، لكن من تابع مسيرة كرة القدم المغربية خلال العقدين الأخيرين، يدرك أن ذلك الإنجاز لم يكن وليد شهر من المنافسات، ولا ثمرة قرارات اتخذت قبيل البطولة، وإنما كان حصاد مشروع وطني طويل بدأ قبل سنوات، حين أدرك المغرب أن المنتخبات الكبرى لا تُبنى داخل معسكرات المنتخب الأول، بل داخل منظومة متكاملة تبدأ بالطفل وتنتهي بالمنتخب، وهاهو المنتخب المغربي في كاس العالم اليوم يعيد مستويات كاس العالم السابق وهي تجربة تستحق الوقوف عندها.
ولذلك، فإن السؤال الحقيقي لم يعد: كم ينبغي أن ننفق؟ بل: كيف نبني منظومة تُخرج لاعبًا عالميًا بصورة مستمرة؟ ذلك هو السؤال الذي يستحق أن تتأمله كل دولة تطمح إلى المنافسة.






