
صغيرين نرعى البهم يا ليت أننا
إلى اليوم لم نكبر ولم تكبر البهم.
لم يكن قيس بن الملوح يتحسّر على طفولته، ولا كان يحن إلى أيام رعي الغنم لذاتها، بل كان يخشى أن يأتي الكبر بالفراق، وأن يتبدل ما كان يجمعه بليلى، وأن يتغير العالم الصغير الذي عاشا فيه، حتى البهم التي كانت ترعى معهما تمنى ألا تكبر.
لفتني في البيت أنه لم يقل: ليتنا لم نكبر، ثم توقف، بل أضاف: «ولم تكبر البهم»، وكأن قيس كان يقول إن الفراق لا يصيب العاشقين وحدهما، بل يمتد إلى كل شيء كان شاهدًا على أيامهما الجميلة، وكأنه كان يدرك أن التغير لا يصيب البشر وحدهم، وإنما يمتد إلى كل ما حولهم. فإذا تبدلت النفوس، تبدلت البيئات، وضاعت الطمأنينة التي كانت تجمع الجميع.
ولعل هذا المعنى لا يخص قصة حب قديمة، بل يكاد يكون سنة من سنن الحياة. فما أكثر العلاقات التي أفسدها الغرور بعد أن حفظها الوفاء، وما أكثر الأوطان التي تغيرت أحوالها عندما ظن بعض أبنائها أن القوة تبدأ بإنكار من وقف معهم، وأن الاستقلال لا يكتمل إلا بهدم الجسور التي صنعت مراحل الاستقرار.
وهكذا تُقرأ العلاقات بين الدول أيضًا. فليست كل علاقة تقوم على المصالح المجردة، فهناك علاقات صنعتها الجغرافيا، ورسختها العقيدة، وعمقتها المواقف، وحفظتها سنوات طويلة من التعاون والتكافل. ولم يكن حضور المملكة العربية السعودية في محيطها العربي والإسلامي قائمًا على فكرة التوسع أو البحث عن مكاسب جغرافية، بل على قناعة راسخة بأن استقرار الجار امتداد لاستقرارها، وأن اضطراب الإقليم لن يقف عند حدود دولة بعينها.
لم يكن همُّ الراعي أن يكثر عدد القطيع، بل أن يعود كل مساء كما خرج صباحًا، آمنًا من الذئاب. وهكذا كان النهج السعودي في كثير من محطاته؛ لم يبحث عن أرض يضيفها إلى خريطته، ولا عن ثروة يحملها إلى خزائنه، بل كان يرى أن خراب بيت عربي لن تقف ناره عند حدوده، وأن أمن الجوار ليس ترفًا سياسيًا، بل ضرورة لحماية الجميع. فالراعي الحقيقي لا يفرح بكثرة القطيع، وإنما يطمئن حين يعود كل رأس منه سالمًا مع غروب الشمس.
المشكلة ليست في أن تكبر الدول، فذلك قانون الحياة، وإنما في أن يكبر الغرور قبل الحكمة. فهناك من يظن أن أول علامات النضج هي التنكر للماضي، وأن تبديل المواقف يمنحه مكانة أكبر، وأن القفز فوق الثوابت يفتح له أبوابًا أوسع. وعندما تتسلل هذه الفكرة إلى العقول، يصبح الوفاء تهمة، وتتحول الأخوة إلى عبء، ويُنظر إلى من مد يده بالأمس على أنه صفحة ينبغي طيها.
وربما كانت أكثر صورة استوقفتني في بيت قيس أنه لم يخشَ على نفسه وحده، بل خشي على البهم أيضًا. ولعل البهم في هذا البيت ليست بعيدة عن صورة الشعوب؛ فهي لا تصنع قرارات الكبار، لكنها كثيرًا ما تدفع ثمنها. ولذلك كانت الشعوب، عبر التاريخ، أول من يتحمل نتائج تبدل المواقف، وأول من يدفع كلفة الغرور السياسي، بينما كانت تتمنى فقط أن تعيش آمنة مطمئنة كما كانت من قبل. فحين يكبر الغرور، تكون الشعوب هي أول الخاسرين.
ولذلك لم يبدأ السقوط في أول قصة عرفتها البشرية يوم ضعف إبليس، وإنما يوم تكبر. لم يكن ينقصه علم، ولا عبادة، ولا مقام، لكن الكبر جعله يرى نفسه فوق الأمر، فكانت تلك بداية الهبوط. وهذه سنة لا تتغير؛ فكم من فرد، وكم من جماعة، وكم من دولة، ظنت أن القوة تعني الاستغناء، وأن الكبرياء يغني عن الحكمة، ثم اكتشفت أن أول خطوة نحو السقوط كانت لحظة الإعجاب بالنفس.
ويبقى القرآن يختصر هذه الحقيقة في مشهد خالد، حين قال الله لإبليس بعد تكبره ورفضه السجود:
﴿قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ﴾.
فالهبوط لا يبدأ من المكان، وإنما يبدأ من القلب حين يسكنه الكبر. ولذلك لم يكن قيس يخشى أن تكبر البهم، بقدر ما كان يخشى أن يكبر ما في النفوس؛ فالسنون لا تفسد العلاقات، وإنما يفسدها الغرور. وما أكثر الذين ارتفعوا بالمكانة ثم سقطوا بالكبر، وبقيت الأمم التي جعلت الوفاء خُلقًا، والأخوة مبدأ، والتواضع طريقًا، أكثر قدرة على البقاء مهما تبدلت الأزمنة




