محجوب ابراهيم الخليفة
▪️سبحان المدبر الحكيم، الذي اصطفى بقعة من الأرض لتكون قبلة المؤمنين، واختارها مهبطًا للوحي، ومنطلقًا لرسالة الإسلام الخالدة، وجعل فيها بيته العتيق، ومسجد نبيه الكريم ﷺ، ثم هيأ لها قيادة سخّرها لخدمة الحرمين الشريفين ورعاية ضيوف الرحمن، فاجتمع شرف المكان بعظمة الرسالة، والتقت القداسة مع مسؤولية تاريخية لا تضاهيها مسؤولية على وجه الأرض.
▪️ خدمة الحرمين الشريفين ليست مشروعًا إداريًا عاديًا، ولا مهمة حكومية محدودة، وإنما رسالة إيمانية وإنسانية وحضارية، تتطلب استعدادًا دائمًا، وتخطيطًا استثنائيًا، وإمكانات هائلة، وكفاءات بشرية عالية، حتى يؤدي ملايين المسلمين عباداتهم في أمن وطمأنينة وسكينة.
▪️وتحظى هذه الرسالة بعناية مباشرة من خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز آل سعود، الذي جعل خدمة الحرمين الشريفين ورعاية قاصديهما أولوية وطنية كبرى، وسار على النهج ذاته محمد بن سلمان آل سعود، الذي يقود مشاريع تطوير غير مسبوقة، تستهدف الارتقاء بالخدمات، وتوسعة المرافق، وتسخير أحدث التقنيات، حتى تظل رحلة الحج والعمرة أكثر يسرًا وأمنًا وجودة.
وتشهد ساحات الحرمين كل عام مشروعات عملاقة للتوسعة والتطوير، وشبكات متقدمة للنقل، ومنظومات ذكية لإدارة الحشود، ومراكز متخصصة للإرشاد، وخدمات صحية وإسعافية على مدار الساعة، وتقنيات رقمية تساعد الزائر منذ لحظة حصوله على التأشيرة وحتى مغادرته، بما يعكس رؤية متكاملة تجمع بين المحافظة على قدسية المكان والاستفادة من أحدث منجزات العصر.
▪️وتؤدي الهيئة العامة للعناية بشؤون المسجد الحرام والمسجد النبوي دورًا محوريًا في إدارة شؤون الحرمين الشريفين، عبر منظومة دقيقة تشمل العناية بالنظافة، والصيانة، والفرش، والتعقيم، وإدارة الأبواب، وتنظيم حركة المصلين، وتوفير خدمات الترجمة والإرشاد، وتوزيع مياه زمزم، والعناية بالمصاحف، وتنسيق الأعمال اليومية التي تستمر بلا انقطاع على مدار العام.
▪️ويشارك في هذه الرسالة عدد كبير من الجهات الحكومية والعسكرية والخدمية، وفي مقدمتها وزارة الداخلية السعودية، ووزارة الحج والعمرة، ووزارة الصحة السعودية، ووزارة النقل والخدمات اللوجستية، والمديرية العامة للدفاع المدني، والهلال الأحمر السعودي، إلى جانب عشرات الجهات الأخرى التي تعمل بروح الفريق الواحد، وفق خطط دقيقة تتكامل فيها الاختصاصات وتتحد فيها الجهود.
▪️أما رجال الأمن، فهم أحد أبرز وجوه هذه الملحمة الإنسانية العظيمة. ينتشرون في كل موقع، يوجهون الحشود، ويساعدون كبار السن، ويرشدون التائهين، ويحافظون على النظام، ويؤمنون حركة الملايين باحترافية يشهد بها العالم. ويؤدي أفراد شرطة الحرمين والقوات الخاصة للأمن والحج والعمرة أعمالهم بروح المسؤولية، وبهدوء يعكس الخبرة الطويلة، وبابتسامة تعكس القيم الإسلامية الأصيلة في إكرام الضيف وخدمة الزائر.
ويمتد العطاء إلى الأطباء والممرضين والمسعفين، والمهندسين، وعمال النظافة، وفنيي الصيانة، وسائقي وسائل النقل، والمتطوعين، والمترجمين، وموظفي الاستقبال، والعاملين في المنافذ والمطارات والموانئ، وكل من يسهم في إنجاح هذه المنظومة العملاقة. إنها جهود تتكامل حلقاتها، حتى تبدو الخدمة وكأنها عمل واحد رغم تعدد المؤسسات والاختصاصات.
▪️وتلفت أنظار المراقبين حول العالم قدرة المملكة العربية السعودية على إدارة أكبر تجمع بشري دوري على سطح الأرض بكفاءة عالية، مع المحافظة على الأمن، وسرعة الاستجابة للطوارئ، ودقة التنظيم، وجودة الخدمات، وهو إنجاز يتكرر عامًا بعد آخر، ويتطور باستمرار بفضل التخطيط العلمي والخبرة التراكمية والاستثمار الكبير في الإنسان والتقنية والبنية التحتية.
▪️وقد شاءت حكمة الله أن تكون هذه الأرض المباركة موطن الحرمين الشريفين، وأن تتشرف المملكة العربية السعودية بحمل هذه الأمانة العظيمة. وهذه المكانة ليست موضع منافسة بين الدول، وإنما اصطفاء رباني اقترن بتكليف ثقيل ومسؤولية جسيمة، تحتاج إلى إمكانات ضخمة، واستقرار راسخ، وخبرة متراكمة، وإدارة متخصصة، وقدرة على حشد الموارد البشرية والتقنية والمالية بصورة مستمرة لخدمة ملايين المسلمين القادمين من مختلف القارات والثقافات واللغات.
وأصبحت تجربة المملكة في خدمة الحرمين الشريفين نموذجًا عالميًا في إدارة الحشود والخدمات اللوجستية والأمنية والصحية، حتى غدت محل دراسة لدى كثير من المؤسسات المتخصصة، لما تتضمنه من حلول مبتكرة تجمع بين أصالة المكان وروح العصر، وبين قدسية الشعائر ودقة التنظيم.
▪️وتبقى أعظم صورة تترسخ في ذاكرة الحاج والمعتمر والزائر تلك الروح التي تملأ المكان؛ روح الترحيب، والإكرام، والبذل، والعمل المتواصل، حتى يؤدي المسلم عبادته في أجواء يغمرها الأمن والسكينة والطمأنينة.
▪️فالتحية لخادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز، والتحية لولي عهده الأمير محمد بن سلمان، والتحية لكل مسؤول، ولكل رجل أمن، ولكل طبيب، ولكل مسعف، ولكل عامل، ولكل متطوع، ولكل يد امتدت بالعون والخدمة في رحاب المسجد الحرام والمسجد النبوي، سائلين الله أن يحفظ المملكة العربية السعودية، وأن يديم عليها نعمة الأمن والاستقرار، وأن يجزي كل من خدم ضيوف الرحمن خير الجزاء، وأن يجعل ذلك في موازين حسناتهم.





