كتاب الرأي

عندما يكون الكرام على مائدة اللئام

قبل أيام، هاتفني صديقي فلان . ومن مدة لم أسمع صوته ، لكنه هذه المرة لم يكن يحمل في نبراته ذلك المرح الذي عرفته عنه. قال لي:
“تدري يا أبا محمد… ما يؤلمني ليس أن الناس تغيروا فحسب ، فالناس قد تتغير مع ظروف الحياة والبعد والسير في مناكبها ، ولكن أن يتغيروا على من وقف معهم.”
سكت قليلًا، ثم أردف وفي صوته حشرجة تخفي ربما عبرة لم أرها ولكن احسست أنها تحتدم في عينيه وهو بين أن تنزل فتطفئ حرقة في صدره أو يردها فهي عزيزة عليه :
“أتذكر فلانًا؟ يوم كان يشكو ضيق الحال، كنا نجتمع لنقيل عثرته، وإذا ضاقت به الدنيا فتحنا له بيوتنا قبل جيوبنا. ولم يكن بيننا حساب، فالمعروف عند الكرام لا يُكتب في الدفاتر، وإنما يُحفظ في القلوب.”
ثم تنهد طويلًا، وقال:
“شاء الله أن تتبدل حاله، وأصبح صاحب منصب وجاه. فرحنا له ،وكأنما ذلك التقدير كان لنا خالصاً . لكن المناصب يبدو تغير المناقب. فأول ما غيَّره المنصب كان علي أصحابه. حتى السلام أصبح ثقيلًا عليه، وإن رده فببرود، نرسل له رسالة ود وتهنئة في الأعياد ولكن يري الرسالة ومن ثم الصمت الرهيب وكأن معرفتنا به صفحة يريد أن يمزقها.”
ثم قال كلمة بقيت ترن في أذني:
“إنهم يبخلون… حتى بالاعتذار.”
أغلقت الهاتف، وبقي السؤال يلاحقني:
هل المال والمناصب التي تهبط أحيانًا بمنطاد دفعته ريح تائهة في غفلة من الزمان، قادرة على أن تبدل الإنسان، فينقلب من الصديق الودود إلى الجاحد اللدود ؟!
عندما يكون الكرام على مائدة اللئام، لا يأتون إلى الطعام، وإنما إلى الوفاء، وإلى كلمة طيبة، وإلى قلب يعرف للمعروف قدره. فالموائد في الحياة ليست كلها موائد طعام، بل موائد الصداقة، والوفاء ، وموائد المعروف . وهناك، تحديدًا، تظهر معادن الرجال.
وقد صدق الشاعر حين قال:
إذا الصديق أساء عليك بجهله
فاصفح لأجل الله ليس لأجله
كم عالمٍ متفضلٍ قد سبَّه
من لا يساوي غرزةً في نعله
لا ترجو أن تجني سكرًا من حنظلٍ
فالشيء يرجع بالمذاق لأصله
في الجو مكتوبٌ على صحف الهوى
من يعمل المعروف يُجزَ بمثله
فكم من كريم جلبته الصدف أو حاجة ما ظاناً أنه نصي من يستحق ويقدر ولكن أبداً هو جلس الي مائدة مسؤول لئيم، أو صديق جاحد، أو قريب لا يعرف للصلة قدرًا، أو شريك لا يعترف بالفضل، أو صاحب جاه لا يرى إلا نفسه.
وليست كل الموائد يُقدَّم عليها الطعام، فهناك موائد يُقدَّم عليها الجحود، والكبرياء، والمنُّ، وسوء العشرة. وفي المقابل، هناك موائد تُقدَّم عليها المروءة، والوفاء، وحفظ الجميل.
ولعل أكثر ما لاحظته أن بعض محدثي النعمة يظنون أن الطريق إلى طبقتهم الجديدة يبدأ بقطع الطريق المؤدي إلى ماضيهم. فيبتعدون عن الأصحاب، وربما عن الأحباب، لا لشيء إلا لأن هؤلاء يذكرونهم بالأيام التي كانوا فيها يبحثون عمن يقف معهم.
يخشون أن يعرف مجتمعهم الجديد أن لهؤلاء الناس فضلًا عليهم، فيحسبون أن الاعتراف بالجميل منقصة، وهو في الحقيقة وسام شرف لا يحمله إلا الكبار.
والعجيب أنهم يلهثون خلف طبقة ربما لا تقبلهم إلا لقضاء مصالحها، فإذا انتهت منهم لفظتهم، فلا الجديدة احتضنتهم، ولا السابقة بقيت تنتظر عودتهم.
وكما تدين تدان… يا ناكر الجميل.
ومع ذلك، فالناس أمام المعروف ليسوا سواء.
فمنهم الكريم، يعطي وينسى، ويُحسن ولو أُسيء إليه.
ومنهم اللئيم، يأخذ وينكر، ويعد إحسانه منَّة.
ومنهم الوفي، لا ينسى يدًا امتدت إليه، فإن عجز عن رد الجميل اليوم، حمله دينًا في عنقه حتى يردَّه غدًا مضاعفًا.
وهناك منزلة أعلى، لا يبلغها إلا قلة من الناس.
أولئك الذين يجبرون عثرات الكرام، ويتحسسون أخبار من جار عليهم الزمان، فيقصدونهم بالعون قبل أن يُسألوا، ويسترون إحسانهم، بل وربما اختلقوا قصة يقولون فيها إن لصاحب الحاجة فضلًا قديمًا عليهم، وأنهم إنما يردون جزءًا من جميله، حفاظًا على كرامته.
هؤلاء هم الذين يبنون المجتمعات، ويتركون أثرًا لا تمحوه الأيام.
اللئيم إذا جلس على مائدة الكريم خرج شبعان البطن، جائع الضمير والإحسان .
أما الكريم إذا جلس على مائدة اللئيم، فقد يخرج جائع البطن أحيانًا، لكنه لا يبيع أخلاقه بثمن وجبة أو موقف .ويخرج بعزة نفسه وكرامته .
ويبقى عزاؤه أن المعروف لا يضيع، وإن ضاع عند الناس، فإنه لا يضيع عند الله.
يقول الشاعر حزمي بن سعد :
من ينكرون الجمايل لا يهمونك
وردود الأفعال منهم لا تغاربها
حتى لو أعطيتهم وحدة من عيونك
قالوا: هذي عينه اللي ما يشوف ابها

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى