▪️لم يعد المشهد السوداني يختصره صوت المدافع، ولا صور المباني المهدمة، ولا صفوف النازحين الباحثين عن مأوى أو لقمة عيش، بل امتد الخراب إلى تفاصيل الحياة اليومية، حتى أصبحت ممتلكات الوطن نفسها هدفًا للنهب والتفكيك والتهريب، وكأن الحرب لم تكتفِ بإزهاق الأرواح، بل قررت أيضًا أن تنتزع أعصاب الدولة وشرايينها.
▪️وخلال الأيام الماضية، تداول مستخدمو منصات التواصل الاجتماعي مقطعًا مصورًا لمواطن مصري يقف وسط كميات هائلة من النحاس الخردة، ويُظهر بالصوت والصورة أطنانًا متراكمة يجري تجهيزها – بحسب ما يرد في المقطع – للتصدير إلى الصين. وقد بدا الرجل نفسه مندهشًا من ضخامة الكميات التي تجمعت في فترة وجيزة، متسائلًا عن مصدر هذا النحاس الذي تدفق بصورة لافتة.
▪️ذلك المقطع أثار موجة واسعة من التعليقات، لا سيما بين السودانيين الذين ربط كثير منهم بين هذه المشاهد وبين ما تعرضت له مدن السودان من عمليات نهب وتخريب واسعة منذ اندلاع الحرب. فهذه ليست مجرد مخاوف عابرة، وإنما تستند إلى واقع عاشه المواطن السوداني، إذ شاهد بأم عينيه كيف تعرضت شبكات الكهرباء للتفكيك، وكيف اختفت الكوابل النحاسية، وكيف جرى العبث بمحطات الكهرباء، والمصانع، والورش، والمستشفيات، والمؤسسات الحكومية، بل وحتى المنازل الخاصة التي لم تسلم من السرقة.
▪️لقد كان النحاس أحد أكثر المعادن استهدافًا، لأنه من السلع مرتفعة القيمة وسهلة التصريف في الأسواق العالمية. ولهذا تحولت الكوابل الكهربائية، والمحولات، وأسلاك الاتصالات، ومكونات المصانع، إلى غنائم تبحث عنها شبكات النهب والتهريب، بينما كان المواطن يغرق في ظلام دامس، وتنقطع عنه المياه والخدمات الأساسية.
▪️ المأساة لا تكمن في قيمة النحاس وحده، وإنما فيما يمثله من بنية تحتية جرى إنشاؤها عبر عشرات السنين، وبأموال الشعب السوداني. فكل متر من الكابلات اقتُلع يعني قرية ستظل بلا كهرباء، وكل محطة تعرضت للتخريب تعني آلاف الأسر التي ستنتظر سنوات حتى تعود إليها الخدمة، وكل مصنع فُككت معداته يعني فرص عمل ضاعت، وإنتاجًا توقف، واقتصادًا ازداد نزيفًا.
▪️الحروب لا تسرق الحاضر فقط، بل تسرق المستقبل أيضًا. وما يحدث في السودان يقدم نموذجًا مؤلمًا لذلك؛ إذ لم تقتصر الخسائر على الدمار العسكري، بل امتدت إلى استنزاف الموارد الوطنية عبر شبكات تهريب عابرة للحدود تستغل غياب الدولة وضعف الرقابة الأمنية، فتتحول الممتلكات العامة والخاصة إلى بضائع تُباع في أسواق أخرى، بينما يبقى السودان يدفع فاتورة إعادة البناء من جديد.
ومن الطبيعي أن يثير ظهور كميات ضخمة من النحاس في دول الجوار أو في أسواق التصدير تساؤلات مشروعة لدى السودانيين عن مصادرها، خصوصًا مع ما هو معروف من حجم التخريب الذي أصاب البنية التحتية داخل البلاد. غير أن الإجابة عن هذه التساؤلات ينبغي أن تعتمد على تحقيقات رسمية وأدلة موثقة، حتى تُحدد المسؤوليات بصورة دقيقة، وتُصان الحقوق وفق القانون.
▪️ السودان اليوم لا يحتاج فقط إلى وقف الحرب، بل يحتاج أيضًا إلى حماية ما تبقى من ثرواته وممتلكاته، وإلى تعاون إقليمي ودولي حقيقي لمكافحة شبكات تهريب المعادن والخردة والآثار والموارد المنهوبة، حتى لا تتحول الحرب إلى سوق مفتوحة لتجارة ممتلكات شعب أنهكته المأساة.
ويبقى السؤال الذي يوجع كل سوداني: كم مدرسة، وكم مستشفى، وكم محطة كهرباء، وكم مصنعًا، وكم منزلًا تحولت مكوناته إلى خردة تُباع في أسواق بعيدة، بينما يقف أصحابها في طوابير النزوح والإغاثة؟
▪️سرقة النحاس ليست مجرد سرقة لمعدن، بل هي سرقة لسنوات من التنمية، ولجهود أجيال كاملة، ولأحلام شعب كان يطمح إلى بناء وطن مزدهر. وما لم تُتخذ إجراءات جادة لحماية الموارد الوطنية، وتتبع مسارات الأموال والمواد المنهوبة، ومحاسبة المتورطين في النهب والتهريب، فإن فاتورة إعادة إعمار السودان ستصبح أثقل، وسيظل المواطن هو الخاسر الأكبر، يدفع ثمن الحرب مرة بالرصاص، ومرة بالجوع، ومرة بالظلام، ومرة بسرقة مقدرات وطنه.





