المقالات

مهارة الكتابة الصحفية عند الكاتب عبدالله الزهراني

▪️تظل الكلمة أعظم ما ابتكره العقل الإنساني بعد الفكرة، فهي وعاؤها، ولسانها، وجسرها إلى الضمائر. وما ارتقت أمة إلا ارتقت لغتها، وما سمت لغة إلا حمل لواءها رجال آمنوا أن الحروف ليست أصواتًا تُنطق، وإنما قوى تُحرِّك الوجدان، وتوقظ الفكر، وتعيد تشكيل الوعي.

▪️ولعل تاريخ العربية لم يعرف من امتلك سلطان الكلمة كما امتلكه قس بن ساعدة الإيادي؛ ذلك الخطيب الذي وقف في أسواق العرب، فلم يكن يملك جيشًا ولا سلطانًا، وإنما ملك لسانًا إذا نطق أنصتت له القبائل، وإذا خطب سرت كلماته في الأرواح كما يسري الضوء في الفجر إلى الآفاق. لم يكن البيان عنده زينة للقول، بل قوة تبعث الفكر، وتوقظ الضمير، وتترك في النفس أثرًا يبقى بعد انقضاء الخطبة. وتلك منزلة لا يبلغها إلا من أوتي موهبة البيان، ثم صقلها بالذوق والحكمة.

▪️ومن هذا الأفق تُقرأ تجربة الكاتب عبدالله الزهراني؛ تجربة لا يليق بها أن تُقاس بعدد المقالات المنشورة، بل بما أحدثته من أثر في الذائقة، وما أضافته إلى فن المقال الصحفي من جمال الصنعة ونبل المقصد. فالقلم عنده لا يلهث خلف الحدث، وإنما يستنطق الحدث حتى يبوح بما استتر وراء ظاهره. ولا يقف عند حدود الخبر، بل ينفذ إلى روحه، فيستخرج منه معنى يجاوز زمنه، حتى يغدو المقال صالحًا للقراءة بعد انقضاء المناسبة، لأن الفكرة التي يحملها لا يحدها تاريخ، ولا يستهلكها يوم.
وليس المقصود أن يُقارن كاتب معاصر بخطيب من عظماء العربية في عصرها الأول، فلكل زمان رجاله، ولكل فن أدواته، ولكن الجامع بين الرجلين هو تلك الموهبة النادرة في تسخير اللغة حتى تصبح كائنًا حيًا يتنفس. فكلمات قس بن ساعدة كانت تتسلل إلى القلوب كما تنسرب خيوط الضياء إلى الأعماق فتنعش الاروح ، فكلمات عبدالله الزهراني تنساب في المقال بالهدوء ذاته، فلا تصخب ولا تستعرض، وإنما تدخل النفس برفق، فتوقظ فيها التأمل، وتنعش الروح، وتغرس الفكرة من غير عناء. إنها اللغة التي لا تُسمَع فحسب، بل تُحَس، ولا تُقرأ وحدها، بل تُعاش.

▪️وللكتّاب طرائق شتى في مخاطبة القارئ؛ فمنهم من يقتاده إلى الفكرة اقتيادًا، ومنهم من يزخرف العبارة حتى تغلب الزينة على الجوهر، ومنهم من يغرق في الوعظ فتضيق العبارة بما تحمل. أما الزهراني، فقد آثر سبيلًا أدق وأشق؛ يفتح للقارئ باب التأمل، ثم يتركه يسير مختارًا، حتى إذا انتهى إلى الغاية ظن أنه هو الذي اكتشفها، مع أن الكاتب كان يهديه إليها منذ أول السطر.

▪️ما كل كاتب يحسن اختيار العنوان؛ فالعنوان ميزان الذوق، ومفتاح النص، وأول امتحان لقدرة الكاتب على اختزال المعنى. وقد تجلت هذه الملكة في عنوان مقاله البديع: (حين كبرت البهم).
عنوان لو نُزع من المقال لبقي قطعة أدبية قائمة بذاتها.
لا يعلن موضوعه، بل يلمح إليه.
ولا يكشف غايته، بل يغري بالسعي إليها.
ولا يستجدي انتباه القارئ بضجيج الألفاظ، بل يأسره بهدوء الدلالة.
لقد انتقى مفردة من صميم البيئة، تحمل رائحة التراب، وصوت المراعي، ودفء الطفولة، ثم ألبسها ثوبًا من الحكمة، فإذا هي تتجاوز معناها القريب إلى آفاق أرحب، حتى تغدو رمزًا لتحولات الإنسان، وتقلبات العمر، وما يفعله الزمن بالأشياء والنفوس.

▪️وهنا تظهر خصلة لا يمنحها الدرس وحده، وإنما تصنعها الموهبة التي تهذبها الثقافة؛ أن يرى الكاتب في المفردة المألوفة كنزًا من الإيحاء، بينما يراها غيره كلمة عابرة لا تستوقف خاطرًا.
ثم يجيء المدخل…

▪️ما أكثر المداخل التي تطرق السمع ولا تبلغ القلب، وما أقل المداخل التي تفتح للنفس أبوابها قبل أن تفتح للعين صفحاتها.
مدخل الزهراني من هذا الضرب النادر.
يستقبلك كما يستقبل النسيم غصنًا يابسًا، فلا يعصف به، وإنما يوقظ فيه الحياة.
يمد إليك خيطًا من الحنين، ثم ينسج منه ثوبًا كاملًا من التأمل.
ويهمس بالفكرة همسًا، فلا تلبث أن تجدها وقد استقرت في أعماقك، كأنها كانت مقيمة هناك منذ زمن بعيد.

▪️ولعل السر الأعظم في هذه التجربة أن الكاتب قد صالح بين البلاغة والعفوية، وهما قلما تصالحا؛ فالبلاغة إذا أثقلت العبارة قتلتها، والعفوية إذا انفلتت من زمامها أضعفتها.

▪️أما هذا القلم، فقد استطاع أن يجعل البيان يشرق دون أن يتكلف، وأن يجعل السهولة تبلغ ذروتها من غير أن تهبط إلى الابتذال.
وتلك منزلة لا يبلغها إلا من عرك اللغة طويلًا، حتى صارت مطواعة بين يديه، يستدعيها فلا تتمنع، ويصرفها حيث شاء فلا تعصيه.

واللغة عند الزهراني لا تسير إلى جانب الفكرة، بل تسير في داخلها.
كل لفظة موضوعة بميزان.
وكل جملة مشدودة إلى أختها برباط خفي.
وكل انتقال يتم في هدوء، حتى يخال القارئ أن المعاني تنمو من تلقاء نفسها، مع أن وراء هذا الانسياب عقلًا هندس بناء المقال كما يهندس المعماري صرحًا لا ترى فيه خللًا ولا فراغًا.

▪️ليس من اليسير أن يجتمع للكاتب صفاء العبارة، ورهافة الحس، ودقة الملاحظة، وسلامة الذوق، واتزان الفكرة.
فإذا اجتمعت، خرج النص متماسكًا كالسبيكة؛ لا تستطيع أن تزيد فيه كلمة دون أن تثقل، ولا أن تنقص منه كلمة دون أن يختل.
وهذه هي الصناعة التي تميز الأدب الباقي من الكتابة العابرة.

▪️لقد أثبت الكاتب عبدالله الزهراني أن المقال الصحفي لا يُولد ميتًا بانتهاء يوم نشره، بل قد يجاوز عمر صحيفته، إذا حمل من صدق الفكرة، ونقاء اللغة، وحسن السبك، ما يجعله نصًا يُقرأ للمتعة كما يُقرأ للمعرفة.

▪️ولعل هذا هو موضع الالتقاء الخفي بينه وبين قس بن ساعدة؛ فكلاهما أدرك أن اللغة ليست وسيلة لنقل المعنى فحسب، وإنما وعاء للروح، وأن البيان الحق لا يطرق الآذان وحدها، بل ينفذ إلى أعماق النفس كما تنفذ خيوط الضياء إلى قلب الظلام، فيوقظ ما خبا من المشاعر، ويبعث ما سكن من التأمل، ويترك في الإنسان أثرًا يطول بقاؤه أكثر من بقاء الكلمات نفسها.

▪️وتلك منزلة لا يهبها الزمن لكل قلم، وإنما يختص بها الأقلام التي عرفت أن الكلمة عهد، وأن البيان أمانة، وأن الكاتب لا يقاس بما يملأ به الصفحات، بل بما يتركه من نور في العقول، وأثر في النفوس، وجمال في لغةٍ ما برحت، على امتداد القرون، تتوج أربابها بإكليل الخلود.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى