لم يكن الإنسان يوما في حاجة إلى أن يقطع الصحارى والبحار ليصل إلى الآخر كما كان يفعل أسلافه. فاليوم، تكفي لمسة إصبع ليعبر القارات، وصوت عابر ليخترق آلاف الكيلومترات في ثوان معدودة. لكن الحقيقه التي تفرض نفسها في كثير من الأحايين أنه أصبح الوصول إلى القلوب أصعب من الوصول إلى أقصى الأرض.
لقد اختزلت الحضارة الحديثة الزمن، لكنها لم تختصر مشاعر الإنسان. فالقلوب لا تعترف بسرعة وسائل التقنية ، ولا تقيس المودة بعدد المتابعين، ولا تبنى الثقة بإشعارات الهواتف، بل إن العلاقات الإنسانية، منذ فجر التاريخ، كانت تنمو ببطء جميل، تسقيها الكلمة الطيبة، ويقويها الصدق، وتحرسها المواقف، وتمنحها الأيام جذورا لا تقتلعها العواصف.
في زحام الحياة، أصبح الإنسان يطارد كل شيء إلا ذاته. يركض خلف الإنجاز، ويلاحق الأخبار، ويتنقل بين الشاشات، حتى بات يخشى الصمت ، لأن الصمت يضعه وجها لوجه أمام أسئلة لم يعد يؤجلها إلا بالضجيج. وبين هذا الضجيج، تتسرب لحظات العمر دون أن نمنحها حقها من التأمل، ودون أن نلتفت إلى أن أثمن ما نملكه ليس الوقت، بل من نشاركهم هذا الوقت.
كثير هي البيوت التي يضيئها الضوء وتغيب عنها الألفة، وكثير هي الموائد التي تجمع الأجساد بينما الأرواح قد تكون متفرقة، وكم من ابن يبحث عن حديث مع والده، أو أم تنتظر دقائق من الإصغاء، أو شيخ يتمنى زيارة لا تستغرق أكثر من فنجان قهوة. إن الإنسان لا يشيخ حين يتقدم به العمر، بل حين يشعر أنه وحيد و وجوده لم يعد يعني أحدا.
ولعل أجمل ما في مجتمعنا أنه ما زال يحتفظ ببقايا ذلك الدفء الذي قاوم تبدل الأزمنة. فما زالت صلة الرحم قيمة راسخة، وما زال الكرم عنوانا، وما زالت الشهامة تظهر كلما نزلت بالناس شدة. غير أن هذه القيم، مهما بلغت قوتها، تحتاج إلى من يجدد حضورها في تفاصيل الحياة اليومية، لا في المناسبات فحسب.
والحضارات البشريه على مرّ التاريخ لا تنهض بالإسمنت والحديد وحدهما، بل تبنى أولا بالإنسان الذي يعرف كيف يحب، وكيف يضحي، وكيف يؤثر ، وكيف يختلف بأدب، وكيف يعفو، وكيف يشارك الآخرين أفراحهم وأحزانهم، وكيف هي علاقته بخالقه، فالمجتمع الذي تضعف فيه الروابط الإنسانية والروحانيه قد يزداد ثراء في مظهره، لكنه قد يفتقر إلى الطمأنينة النفسية والاجتماعية
لذلك، ربما لا نحتاج إلى مزيد من التطبيقات بقدر حاجتنا إلى مزيد من اللقاءات، ولا إلى توسيع قوائم الأصدقاء بقدر حاجتنا إلى تعميق معنى الصداقة، ولا إلى أن نعيش أعمارا أطول، بل إلى أن نحيا أعمارنا بقلوب أكثر قربا ورحمة.
ففي نهاية المطاف، لن يتذكر الناس عدد الرسائل التي كتبناها، ولا عدد الصور التي نشرناها، بل سيتذكرون من وقف إلى جوارهم حين ضاقت الأيام، ومن منحهم وقتا صادقا في زمن أصبح فيه الوقت أغلى من المال. تلك هي الثروة التي لا تخضع لتقلبات الأسواق، ولا تنقصها السنون، لأنها مودعة في ذاكرة القلوب، حيث لا يبهت الأثر، ولا يغيب الجميل.
• عضو مجلس الشورى وكاتب


