استبشر أهالي منطقة الباحة خيرًا بزيارة معالي وزير البلديات والإسكان الأستاذ ماجد بن عبدالله الحقيل، تزامنًا مع موسم الصيف الذي تستقبل فيه المنطقة آلاف الزوار من داخل المملكة وخارجها. وكان الأمل أن تحمل الزيارة حزمة من المشاريع التنموية النوعية التي تستحقها المنطقة، أو الإعلان عن مبادرات تسهم في دعم مكانتها السياحية والخدمية.
لكن ما أُعلن عنه رسميًا اقتصر على زيارة ميدانية لمركز الطوارئ والأزمات الرئيس بأمانة المنطقة في مقره الجديد، وهو إنجاز يُقدَّر، غير أن سقف تطلعات الأهالي كان أكبر، إذ كانوا ينتظرون أن تصاحب الزيارة إعلانات عن مشاريع تنموية نوعية ومبادرات جديدة تعزز مسيرة التنمية في المنطقة وتواكب مكانتها السياحية.
ولعل أكثر ما أثار الاستغراب هو التكتم الإعلامي الذي صاحب الزيارة، إذ لم يُعلن عنها إلا في يومها، ولم تتح لوسائل الإعلام فرصة لقاء الوزير أو توجيه الأسئلة إليه حول مشاريع الوزارة في المنطقة، أو مناقشة ما تحقق وما هو قادم، والاستفسار عن التحديات والمشاريع المتعثرة -إن وجدت-، بما يعزز مبدأ الشفافية ويضع المعلومة في إطارها الصحيح.
ولم تكن هذه الزيارة استثناءً، فقد سبقتها زيارات لعدد من الوزراء إلى المنطقة جرت في أجواء من التكتم الإعلامي، دون تمكين وسائل الإعلام من مواكبتها أو اللقاء بالوزراء وطرح الأسئلة عليهم. فالوزير عندما يزور أي منطقة لا يكتفي بجولة بروتوكولية، بل يقف على المشاريع، ويستمع إلى احتياجاتها، ويعرض رؤيته لما هو قادم، والإعلام هو الوسيلة التي تنقل هذه الرسائل إلى المجتمع. ومن هنا نطرح تساؤل مشروع حول أسباب هذا النهج، ومدى اتساقه مع مبادئ الشفافية التي أرستها رؤية المملكة 2030، والتي أكدت حق المجتمع في الوصول إلى المعلومة، ودور الإعلام كشريك في التنمية.
إن الإعلام ليس مجرد ناقل للخبر، بل شريك في التنمية، ودوره الحقيقي أن ينقل المعلومة من مصدرها، ويشرح للمجتمع خطط الجهات الحكومية، ويرصد الإنجازات والتحديات بكل مهنية وموضوعية. وعندما يُغيَّب الإعلام عن مثل هذه الزيارات، فإن الخاسر الأول هو المجتمع الذي ينتظر الإجابة عن أسئلته.
نحن اليوم نعيش في ظل رؤية المملكة 2030، التي جعلت الشفافية والحوكمة من أهم مرتكزاتها، ولذلك فإن اطلاع المواطنين على خطط التنمية، ومراحل تنفيذ المشاريع، وأسباب التأخير إن وجدت، أصبح حقًا أصيلًا، كما أن فتح المجال أمام الإعلام المهني لممارسة دوره يسهم في تعزيز الثقة بين المسؤول والمجتمع.
ولا يفوتني هنا الإشارة إلى ما لمسته من اهتمام صاحب السمو الملكي الأمير الدكتور حسام بن سعود بن عبدالعزيز، أمير منطقة الباحة، بالإعلام والإعلاميين، وهو الذي فتح أبواب الحوار معهم في أكثر من مناسبة، ويؤمن بأهمية دورهم في خدمة المنطقة وإبراز منجزاتها. ومن هذا المنطلق، نأمل أن يكون حضور وسائل الإعلام جزءًا أساسيًا من برامج زيارات الوزراء للمنطقة، بما يحقق الفائدة للجميع.
ويبقى توجيه سمو ولي العهد رئيس مجلس الوزراء الأمير محمد بن سلمان -حفظه الله- عند إطلاق رؤية المملكة 2030 عام 2016 شاهدًا على أهمية الإعلام، حين قال:
“الإعلام مهم جدًا في تقييم أداء الحكومة لتحقيق هذه الرؤية، وتقييم الوزارات، وتقييم أعمال الوزراء والإدارات الحكومية وكل الجهات المسؤولة. الإعلام جزء مهم جدًا في تقييم الرؤية، والتأكد أن الجميع يمشي بشكل صحيح لتحقيق الأهداف المرجوة.”
هذه الكلمات تمثل منهج عمل، وتؤكد أن الإعلام ليس خصمًا لأي جهة، بل شريك في البناء والتنمية، ووسيلة لإيصال صوت المواطن، وإبراز جهود الدولة، وتصحيح مسار الأداء كلما دعت الحاجة.
إن ما نطالب به ليس امتيازًا للإعلام، بل حق للمجتمع، وواجب على الجهات الحكومية في إطار الشفافية التي تنشدها الدولة. فزيارات الوزراء إلى مناطق المملكة ليست مناسبات بروتوكولية فحسب، بل محطات للتواصل مع المواطنين، وشرح خطط التنمية، والإجابة عن تساؤلات المجتمع. والإعلام المهني هو الشريك القادر على نقل هذه الرسائل بكل مسؤولية وموضوعية.
وحين يكون الإعلام حاضرًا، تكون المعلومة أوضح، والثقة أكبر، والإنجاز أكثر وصولًا إلى الناس. وهذا ما تؤكد عليه رؤية المملكة 2030، التي جعلت الشفافية والمساءلة والتواصل مع المجتمع من أهم مرتكزات العمل الحكومي.





