كتاب الرأي

الأحكام.. بين الظن واليقين

من طبيعة البشر أنهم يميلون كثيرًا إلى التنبؤ بالأحداث والمواقف، وإلى التحليل والتفسير، وكذلك الحال في العلاقات مع الناس؛ إذ يبني كثيرون تصوراتٍ مبدئية وانطباعاتٍ أولية عن الأشخاص بدافع الحذر، ورغبةً في تحقيق قدرٍ من الأمان النفسي.
لكن السؤال هنا: أين يكمن الخلل الذي يقع فيه الكثير في هذه المسألة؟
يكمن الخلل في التعامل مع تلك التصورات الأولية، الخالية من المعرفة الفعلية والمعاشرة والتجارب والمواقف، على أنها يقينٌ لا يحتمل الخطأ، ثم إصدار أحكامٍ قطعية تُبنى عليها العلاقات والمواقف.
والأعجب من ذلك أن بعض الناس يتخذون هذا الأسلوب منهجًا في علاقاتهم الاجتماعية، ويُجمّلون هذا الخطأ الكبير بغطاء الفراسة ، علمًا أن ما يفعلونه في كثير من الأحيان ليس فراسة، وإنما أحكام متسرعة مبنية على الظنون والانطباعات.
فالحكم على الناس ليس بالأمر السهل، بل يحتاج إلى تثبت، وأدلة، وبراهين، ومعايشة، ومواقف متكررة، ومتابعة لأفكار الأشخاص وسلوكهم عبر فترة زمنية كافية؛ حتى يكون الحكم أقرب إلى العدل والإنصاف.
ولا شك أن التخلص من هذه العادة ليس أمرًا يسيرًا؛ لأنها أصبحت لدى البعض سلوكًا تلقائيًا متجذرًا، لكن الطريقة الأمثل للتعامل معها هي تبني الأحكام المرنة، القابلة للمراجعة والتغيير وفق ما يظهر من الإنسان مع مرور الوقت.
وفي المقابل، هناك من يعيش حالة من جمود التفكير، فلا يراجع أحكامه، ولا يقبل تغيير تصوراته، مهما ظهرت له من أدلة أو مواقف تنقضها، فتظل نظرته إلى الآخرين ثابتة لا تتغير، وكأنها حقائق مطلقة.
والمقصود هنا أن هناك من يتوقف نموه الفكري عند مرحلة معينة، مهما تقدم به العمر، وهذا يؤكد أن العقل لا يتطور تلقائيًا مع مرور السنوات، كما يظن البعض، وإنما يتطور إذا أراد صاحبه ذلك، وسعى إليه بتنمية أنماط تفكيره، وتجديد معارفه، والاطلاع على مختلف العلوم، والانفتاح على التجارب الإنسانية.
وهذا يسهم بصورة كبيرة في الحد من عادة إصدار الأحكام السيئة، التي تعد من صور سوء الظن المذموم، وقد ورد في ذلك العديد من الآيات والأحاديث، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾.

وقال سبحانه: ﴿وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنًّا ۚ إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾.

وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: «إياكم والظن، فإن الظن أكذب الحديث»
ومن جميل ما روي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه: «ولا تظنن بكلمة خرجت من أخيك المؤمن شرًّا، وأنت تجد لها في الخير محملًا.»

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى