المقالات

فن ظلال اليد

تمثل الستينيات والسبعينيات مرحلة انتقال في ثقافة الترفيه داخل المجتمع؛ فقد تزامن فيها استمرار أنماط التسلية التي يصنع الأطفال جانبًا منها بأنفسهم، اعتمادًا على المهارة اليدوية والخيال والمواد المتاحة، مع اتساع حضور التلفزيون بوصفه وسيطًا جديدًا للترفيه داخل البيوت. وعاش فن ظلال اليد بين هذه الأجيال ضمن عالم الترفيه الذاتي الذي يصنع فيه الطفل متعته بوسائل بسيطة، في الوقت الذي بدأت فيه الشاشة تشكل عادات المشاهدة وقضاء وقت الفراغ.

ويقارب هذا التحول ما طرحه روجر سيلفرستون في مفهوم “تدجين الوسائط”، ويقصد به الكيفية التي تنتقل بها الوسيلة الجديدة من تقنية وافدة إلى عنصر مألوف في الحياة المنزلية، عبر مراحل تشمل “الاقتناء”، ثم “موضعه” داخل البيت، ثم “الإدماج” في الحياة اليومية، وصولًا إلى “التحويل” الذي تكتسب من خلاله الوسيلة معنى اجتماعيًا داخل ثقافة الأسرة وعلاقتها بمحيطها.

وخلال هذه المرحلة، صنع الأطفال والمراهقون جانبًا من ترفيههم داخل البيت والحارة، اعتمادًا على المهارة اليدوية والخيال والأدوات البسيطة التي تتيحها البيئة المحيطة، ومن بين هذه الممارسات فن ظلال اليد، الذي يقوم على تشكيل صور وأشكال بحركات اليد والأصابع وإسقاط ظلالها على الجدران والأسطح.

كان الترفيه جزءًا من مهارة الطفل في صناعة لعبته بيديه؛ فالأطفال يصنعون اللعبة من المواد المتاحة، ثم يمنحونها اسمها الدارج بينهم، فتركيب “جنط السيكل” مع حديدة معقوفة لدفعه صنع لعبة أطلقوا عليها “الدنّانة”، كما نزعوا خوص عسيب النخل، وامتطوا العسيب كالحصان، وانطلقوا به في صولات وجولات داخل الحارة.

يمكن تفسير هذه الممارسات في ضوء مفهوم التوليف من المتاح “البريكولاج” عند كلود ليفي-شتراوس، ويقصد به إعادة توظيف عناصر متاحة وإعادة تركيبها في وظيفة أو معنى جديد، وينطبق ذلك على فن ظلال اليد؛ فاليد والضوء والجدار عناصر يومية مألوفة، يعاد توظيفها مجتمعة لإنتاج صور وحركات ومشاهد ترفيهية تقوم على الخيال والمهارة.

كان فن ظلال اليد يمارس جماعيًا في المجالس وعلى الأسطح والجدران الخارجية، وتمتد ممارسته أحيانًا إلى البطحاء الترابية عند المساء. وتشير بعض الإفادات الشفوية إلى شيوعه بين أبناء القرى بدرجة أكبر، حيث أتاحت المجالس والفضاءات الخارجية مشاركة أكثر من طفل، وتكوين مشاهد متقابلة للمطاردة والتنافس في تشكيل الصور وتخمينها.

أما الممارسة الفردية فكانت ترتبط بالأماكن الأكثر خصوصية، مثل غرف النوم ودورات المياه أحيانًا، حيث يلجأ الطفل إليها لتسلية نفسه وتمضية الوقت، ويكفي في الحالتين تهيؤ مصدر ضوء وسطح واضح لاستقبال الظل، سواء كان مصدره الاتريك والشمع أو عن ضوء الشمس.

تقوم طريقتها على وضع اليد أو اليدين بين مصدر الضوء، ثم ثني الأصابع وتشبيكها وتحريكها حتى يتشكل ظل واضح، وأحيانًا يستعين ببطن الكف والذراع لبعض الأشكال. وكان الطفل يغير وضع الأصابع وزاوية اليد وقربها من الضوء ليضبط حجم الصورة وهيئتها، ثم يحركها لتتحول من شكل ثابت إلى صورة حية.

كانت أكثر الرسوم شيوعًا رؤوس الحيوانات، مثل رأس الذئب بأذنيه وحركة العواء، إلى جانب أشكال أخرى كالنعامة والحصان والكلب التي يصاحبها بعض الحركات؛ حيث يتعلمها الأطفال بالمشاهدة والتقليد والمحاكاة ويضيفون إليها من ابتكارهم، وكانت حركة الأصابع تمنح الحيوان فمًا يفتح ويغلق، أو رأسًا يلتفت، أو هيئة توحي بالهجوم والمطاردة.

تقوم اللعبة على ثلاثة عناصر بسيطة هي: الضوء واليد والجدار، ويكملها خيال الطفل الذي يحوّل الظل إلى صورة وحركة ومشهد، وتكشف هذه البساطة قدرة الطفل على إنتاج عالم متخيّل من أدوات محدودة، بحيث يصبح الخيال نفسه جزءًا من أدوات اللعب.

وقد حظيت الألعاب الشعبية للأطفال في السعودية بالرصد في دراسات ومؤلفات محلية، ومنها الدراسات التي تناولت ألعاب الأطفال الشعبية في مناطق المملكة، بينما غاب فن ظلال اليد عن هذا التوثيق، مع أنه يجمع بين اللعب والخيال والمحاكاة والارتجال والتعلم بالمشاهدة.

ومع اتساع حضور الترفيه المرئي لاحقًا، ثم الوسائط الرقمية والألعاب الإلكترونية، انحسر حضور فن ظلال اليد تدريجيًا، وتوقف انتقال كثير من أشكاله بين الأجيال، فتراجع حضوره في الحياة اليومية ثم في الذاكرة الشعبية، وبقي خارج نطاق التوثيق الثقافي.

وقد تحاورت مع عدد من أبناء أجيال الستينيات والسبعينيات والثمانينيات من مختلف مناطق المملكة، ومع عدد من الأصدقاء العرب، بهدف تطوير هذه المقالة، وكان لافتًا أن معظمهم استعادوا الممارسة فور وصفها، وتذكروا أشكالها ومواضعها وتجارب ارتبطت بها في الطفولة والمراهقة، بينما غاب عنها اسم متداول يجمعها؛ وهو ما يكشف بقاء الممارسة في الذاكرة الشعبية وتراجع تسميتها وتوثيقها.

تكشف هذه الذكريات أن فن ظلال اليد كان جزءًا مألوفًا من أوقات الفراغ داخل البيوت، يتحول فيه الضوء والجدار وحركة الأصابع إلى مشهد صغير يصنعه الطفل بنفسه.

وتظهر اليوم في تطبيقات التواصل الاجتماعي نماذج متطورة لفن ظلال اليد، من الأشكال البسيطة إلى عروض أكثر تعقيدًا، تقوم على دقة تشكيل الأصابع وتتابع الحركة وصناعة مشاهد وشخصيات متعددة بالأدوات نفسها، وتسهم هذه الاستمرارية أن تطوير الممارسة ونقلها بين الأجيال يمثلان أحد مسارات الصون الحي للتراث الشعبي.

خيال الظل

يختلف فن ظلال اليد عن خيال الظل في الأداة وطبيعة الأداء؛ ففن ظلال اليد، وهو موضوع المقال، يقوم على تشكيل الصور مباشرة بحركات اليد، أما خيال الظل فيعتمد على دمى أو أشكال مسطحة تُحرَّك خلف شاشة مضاءة، وتتشكل من خلالها شخصيات وحكايات ضمن عرض منظم له تاريخ معروف وتقاليد أدائية مستقرة.

تصف اليونسكو خيال الظل، بأنه فن تقليدي يقوم على تحريك دمى مصنوعة يدويًا خلف ستار أو شاشة رقيقة شبه شفافة داخل فضاء مظلم، حيث يسقط مصدر ضوء من الخلف ظلال الدمى على الشاشة، وتتحرك الشخصيات وفق نص شفهي ومصاحبة موسيقية.

وقد عرفت بعض مدارس المملكة في بدايات الثمانينيات الميلادية، كما أفاد عدد ممن قابلتهم، مسرحيات “خيال الظل”، وكانت تعتمد على دمى يمسكها الممثل بخيوط أو عصي مخفية ويحركها أثناء العرض، ثم تراجع حضور هذا النوع من المسرحيات واختفى تدريجيًا من المدارس.

يعد المستشرق الألماني جورج يعقوب (١٨٦٢–١٩٣٧م) من أبرز المتخصصين في دراسة خيال الظل في الحضارة الإسلامية؛ إذ كرّس له عددًا من أبحاثه وكتبه، وتتبع تاريخه وانتقاله بين الشرق والغرب، كما كان من أوائل الباحثين الأوروبيين الذين لفتوا الانتباه إلى مسرحيات ابن دانيال ودورها في تاريخ المسرح العربي.

ويبيّن إبراهيم حمادة في “خيال الظل وتمثيليات ابن دانيال” أن فكرة صناعة صورة متحركة بواسطة الضوء والظل تنتمي إلى تقليد ترفيهي قديم عرفته ثقافات متعددة. وتشير مادته إلى حضور مبكر لهذا الفن في عدد من الثقافات حول العالم، ثم عُرف في العالم الإسلامي منذ القرون الوسطى، ويذكر أن خيال الظل كان حاضرًا في مجالس الطبقات العليا وفي الترفيه الشعبي، بما يدل على استقراره ضمن ثقافة الفرجة في المدن الإسلامية.

ويمثل محمد بن دانيال، المتوفى سنة ٧١٠هـ/١٣١٠م، أبرز نموذج عربي باقٍ لهذا الفن، عاش في القاهرة المملوكية، وعمل طبيبًا للعيون وشاعرًا، ووصلت إلينا ثلاث من “باباته” أي تمثيلياته: “طيف الخيال”، و”عجيب وغريب”، و”المتيم”، وهي أقدم النصوص العربية الكاملة الباقية لمسرح الظل، وقد مثّلت صورة مكتملة البناء من مسرح خيال الظل، تجمع الدمى والشخصيات والحوار والحكاية والجمهور.

ختام

يمنح توثيق فن ظلال اليد اليوم فرصة لاستعادة جانب من ثقافة الطفولة السعودية، من خلال جمع أشكاله وحركاته وتسمياته وذكريات ممارسيه، وتحويله إلى مادة ثقافية محفوظة وقابلة للتداول.

يمكن أن تشمل هذه الاستعادة توظيف فنون الظل في الأنشطة الثقافية والتعليمية لتنمية الخيال والمهارة اليدوية والسرد والتعبير البصري، وربط الأجيال الجديدة بأشكال الترفيه الشعبي التي عرفها المجتمع.

يظل فن ظلال اليد، ببساطة أدواته واعتماده على مهارة الطفل وخياله، مادة مناسبة للصون وإعادة التقديم بوصفه جزءًا من ثقافة الطفولة السعودية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى