هناك مدن نزورها مرة، وهناك مدينة واحدة نسكنها حتى ونحن بعيدون عنها. لندن بالنسبة لي كانت كل محطات العمر، فصلاً بعد فصل.
فصل الدكتوراه.. وفرحة أبي رحمه الله
يوم ناقشت الدكتوراه.. يوم لن أنساه، لم تكن ذكرياتي في لندن عن مقاعد المدرسة ومعطف مطر أصفر، بل عن قاعة المناقشة الباردة، وصوت نبضات قلبي وأنا أدافع عن سنوات من البحث والتعب.
أذكر ذلك اليوم بتفاصيله.. أذكر كيف كنت أراجع كل ورقة وكأني أراجع عمري كله. وعندما قالوا لي “مبارك الدكتوراه”، لم أسمع القاعة، سمعت صوت أبي – رحمه الله – يتألق فرحاً، ورأيت دموع زوجي الذي كان يمسك بيدي ويشد عليها بقوة كأنه يقول: تعبك لم يذهب هباءً.
ذلك المساء احتفلنا احتفالاً صغيراً، لكنه كان أكبر احتفال في حياتي. احتفلت مع أبي الذي كان يرى في شهادتي حلم عمره، ومع زوجي الذي كان شريك السهر والقلق. أبي اليوم ليس معنا، رحمه الله، لكن كل زاوية في لندن تذكرني بدعائه لي قبل المناقشة، وبكلمة “دكتورة” حين قالها وهو يبكي فخراً. لندن بالنسبة لي هي صوته.
ومن يومها، أصبحت زيارتي السنوية للندن وفاءً لتلك اللحظة. أعود لمكتباتها ومتاحفها التي احتضنتني طالبة دكتوراه، المكتبة البريطانية التي حفظت تعب لياليّ، والمتحف البريطاني الذي كنت أهرب إليه بين فصول الرسالة لأستنشق التاريخ.
فصل ابني وأحفادي.. البيت الثاني
ثم جاء فصل آخر. سكن ابني في لندن لسنوات، فتغيرت خريطة زياراتي تماماً.
لم أعد أزورها كطالبة تبحث عن مرجع، بل كأم وجدة تحمل حقيبة مليئة بما يحبونه. تحولت شقته الصغيرة في شمال لندن إلى بيتي الثاني، وانتقلت طقوسي من قاعات الجامعة إلى مطبخه الصغير. أصبحت أستيقظ على صوت أقدام أحفادي الصغيرة تركض نحوي.
لندن ليست فقط ساعة بيغ بن وعين لندن وقصر باكنغهام والهايد بارك. أجمل معالمها عندي الآن هو باب حضانة حفيدتي، ورف التوابل في Southall، وكرسي صغير أجلس عليه لأقرأ لهم قصة قبل النوم.
وما أجمل ذكرى أول يوم حضانة لحفيدتي.. يدها الصغيرة تشد يدي بقوة، وحقيبتها أكبر منها، وأنا أوصلها إلى الحضانة أنا التي ناقشت الدكتوراه في هذه المدينة، أقف اليوم خلف سور حضانة أبكي لأن حفيدتي كبرت.
أجمل مناقشة في حياتي كانت مناقشة الدكتوراه، وأجمل خوف عشته كان خوف أول يوم حضانة لحفيدتي.
أصبح لدي طقس جديد هو الأقرب لقلبي: البحث عن البهارات الهندية من سوق Southall أو ما يسمى “الهند الصغيرة”، إلى بقالات Edgware Road و Whitechapel. أسأل عن الهيل والزعفران والغارام ماسالا وورق الكاري الطازج. البائع أصبح يعرفني. أعود محملة لأطبخ لهم برياني يملأ الشقة برائحة بيتنا، حتى لا يشعروا بالغربة.
كنت أطبخ لهم بنفس اليد التي كتبت بها رسالة الدكتوراه.
وانتهت فترة ابني في لندن. عاد، وعاد معه ضجيج البيت الصغير، فتغيرت خريطة زياراتي تماماً.
فصل اليوم.. أزور لندن لأزور نفسي
وعدت أنا اليوم لزيارة لندن وحدي، لكن الزيارة اختلفت. لم أعد أزور ابني، أصبحت أزور ذكرياتي.
أمشي في شوارعها الآن لأستعيدها. أمرّ أمام مبنى الجامعة فأسمع صدى مناقشتي، وأجلس في المكتبة البريطانية فأرى ظلي طالبة دكتوراه تبحث عن مرجع، وأمرّ أمام تلك الحضانة فأرى يد حفيدتي الصغيرة في يدي، وأدخل بقالة التوابل في Southall فيسألني البائع الباكستاني: أين الأحفاد؟
لندن بمعالمها الشهيرة لا تزال كما هي بيغ بن يضبط الوقت، وعين لندن تدور، وقصر باكنغهام شامخ، وبرج لندن يحرس أسراره.
وبين زيارة المكتبات ولقاء زميلات الدكتوراه من أنحاء العالم – واحدة من الرياض وأخرى من ماليزيا وثالثة من تورنتو – كنا نتشارك قلق الرسالة، واليوم نتشارك حنيننا.
لكن لندن بالنسبة لي لم تعد مدينة.. أصبحت أرشيف عمري. أزورها اليوم لا لأكتشفها، بل لأتذكر من كنت، وأستعيد دعاء أبي رحمه الله، وفرحة زوجي، وضحكة أحفادي بين شوارعها.
بعضنا يذهب إلى لندن للسياحة، وأنا أذهب إليها للوفاء.

