المقالات

لا إيثار في القُربات

يقال إنه في إحدى بلدان آسيا التي تنتهي بكلمة ستان مثل بلوشستان او طاجيكستان اشتهر أهلها بالأدب الجم. وتقول الطرفة أنه عندما حانت ولادة توأمين وقف أحدهما وهو يقول لأخيه: تفضل أنت أولا. فيقول الآخر: بل تفضل أنت. وقعدا أو انبطحا عند فم الرحم على هذي الحال يتجادلان خمس سنين!
إن حياتنا مبنية على التنافس. وقد وقعت أول جريمة في تاريخ البشرية في عهد آدم عليه السلام عندما قتل هابيل قابيل لأن أخت قابيل جميلة وهو يريدها لنفسه. وجاء في مختار الصحاح لمحمد بن أبي بكر الرازي حديث “لقد تأبّل آدم عليه السلام على ابنه المقتول كذا وكذا عاما لا يصيب حواء” وتأبّل الرجل عن امرأته امتنع عن غشيانها.
مسكين انت يا جدي آدم ومسكينة أنت يا جدتي عليكما السلام. فقد خيم الحزن عليكما بسبب جريمة التنافس. ولو جاء آدم يريد ما يريده الزوج من زوجته بعد الواقعة لقالت له دعني وشأني فما عندي روح لما تبغي. فهي أيضا أشد تأبلا لكن جرت العادة أن تنطوي الست في خيمة السيد.
وتحن لا نتنافس فحسب بل نتلهف لمشاهدة المنافسة. وقد رأينا قبل شهرين كيف تعلقت أنفاس مئات الملايين بكأس العالم ومتابعة مباريات المونديال. وصل الإحصاء حسب ما سمعت إلى ملياري متابع. لم يشارك من بلدانستان فيه سوى أوزبكستان. لأن هواية بلدانستان في الكريكت لا في كرة القدم.
ولقد ضرب الأنصار في المدينة المنورة أعظم صور الإيثار في استقبال إخوانهم المهاجرين الذي فروا بأرواحهم وتركوا وطنهم وأموالهم في مكة. كان إيثارا لوجه الله فتركوا التنافس في الدنيا ابتغاء الجزاء في دار البقاء.
أما ما جاء في سيرة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب فهو العجب العجاب. كان الصحابة قد استعروا أن يقابل عمر وفود العرب وفي ثوبه 12 رقعة. فقالوا لقد فتح الله علينا كنوز كسرى وقيصر، وأمير المؤمنين في هذه الشظف من العيش والملبس؟ فمن يكلمه؟ قالوا: لا يجترئ عليه إلا علي بن أبي طالب. فلما كلموا عليا رضي الله عنهم أبى أن يتدخل. فقالوا إذن عائشة وحفصة تستعطفانه رضي الله عنهما. فلما كلمتاه قال لهما بما معناه: إني أريد اللحاق بالنبي وأبي بكر الصديق ولن أحيد عن سبيلهما قيد أنملة. ولم يقبل منهما ما طلبتاه. أما عليّ وهو المعروف في زهده فإنه لو دخل على عمر فإني أتخيل أنه سيقول له بلغة العصر الحديث: بيض الله وجهك. أثبت على ما أنت عليه.
لكن الدين واسع فهو يتسع للغني والفقير والمثقف والعامي والكبير والصغير والقاضي والسجين والدائن والمدين والمرأة والرجل والأبيض والأسمر والأحمر والأصفر والأسود ولكافة أصناف وأشتات الناس. وتبقى المنافسة هي الأصل منذ أن خلق الله البشر. وقد ترك لنا علماؤنا قاعدة “لا إيثار في القربات”. فلو كنت في المسجد مثلا في الصف الثاني وظهرت فرجة في الصف الأول فاغتنمها ولا تقل لمن إلى جوارك تفضل. إذ مادام الأمر فيه قربة إلى الله فلا تؤثر به أحدا. ففي ذلك فليتنافس المتنافسون.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى