من أروقة جامعة الملك سعود إلى «نزاهة»، يروي لنا الأستاذ فهد العتيبي قصة اختياره تخصص القانون، والذي بدأ شغفه به منذ قراءته أحد الكتب في مرحلة مبكرة من حياته، مستعرضًا خلال هذا اللقاء أبرز محطاته المهنية، من العمل محاميًا ومستشارًا قانونيًا إلى عمله محققًا في هيئة الرقابة ومكافحة الفساد «نزاهة».
كما يتحدث العتيبي عن تجربته بين العمل القانوني والتحقيقي، ويوجه نصيحة مهمة للعاملين في القطاعين العام والخاص لتجنب الوقوع في المخالفات أو شبهات الفساد، مؤكدًا أهمية وضوح الأنظمة وجودة التنظيم والاطلاع.
البداية.. حين كانت مكتبة الوالد بوابة المعرفة
بدأت علاقة العتيبي بالكتب منذ المرحلة المتوسطة، في وقت لم تكن فيه وسائل الترفيه متاحة كما هي اليوم، فكانت مكتبة والده بوابته الأولى إلى عالم القراءة. وبين رفوف الكتب، بدأ شغفه بالقراءة يتشكل شيئًا فشيئًا، حتى أصبح محبًا للكتب وقارئًا جيدًا.
ولم تكن تلك العلاقة مجرد هواية عابرة، بل تحولت مع الوقت إلى شغف ترك أثره في مسيرته، وكان أحد الكتب التي قرأها في تلك المرحلة سببًا في اتخاذ قرار سيحدد جانبًا كبيرًا من مستقبله.
كتاب قاده إلى القانون
كان كتاب «المدخل الفقهي العام» حاضرًا في ذاكرة العتيبي عندما تحدث عن اختياره لتخصص القانون، إذ ترك الكتاب أثرًا فيه منذ الصغر، وأسهم في أن يعزم على دراسة القانون.
وهكذا انتقل من رفوف مكتبة والده إلى مقاعد جامعة الملك سعود، حيث كانت أولى محطاته الأكاديمية في تخصص القانون، لتبدأ مرحلة جديدة من حياته، حملت معها مسؤوليات وتجارب مختلفة.
من مقاعد الجامعة إلى الاعتماد على الذات
لم تكن الحياة الجامعية بالنسبة للعتيبي مجرد مرحلة دراسية للحصول على الشهادة، بل كانت تجربة شكلت جانبًا مهمًا من شخصيته، خصوصًا مع انتقاله بعيدًا عن الأهل وخوضه تجربة الاعتماد على النفس.
ويصف تلك المرحلة بأنها من أجمل المراحل التي يمر بها الإنسان؛ فهي، بحسب وصفه، مرحلة نهاية الرقابة الأسرية وبداية تحمل المسؤولية.
وخلال سنوات الجامعة، تعلم العتيبي المسؤولية والرقابة الذاتية، كما أتاح له وجود زملاء من مختلف مدن المملكة التعرف على تجارب وشخصيات متنوعة، إلا أن أبرز ما خرج به من تلك المرحلة كان الاعتماد على الذات.
الطموح لا يتوقف عند البكالوريوس
ورغم أن مرحلة البكالوريوس كانت الخطوة الأولى في مسيرته الأكاديمية، فإن طموحه لم يتوقف عندها. فمنذ أن كان طالبًا في مرحلة البكالوريوس، كان يفكر في مواصلة دراسته، بل كان يطمح إلى إكمالها في مصر.
إلا أن الظروف قادته إلى طريق آخر مؤقتًا، فالتحق بسوق العمل، قبل أن يعود مجددًا إلى مقاعد الدراسة ويواصل رحلته الأكاديمية.
حصل العتيبي على درجة الماجستير في القانون الدستوري، ولم يتوقف عند ذلك، بل واصل مشواره الأكاديمي، وهو اليوم طالب دكتوراه في القانون العام.
من المحاماة إلى الاستشارات القانونية
ومع انتقاله من مرحلة الدراسة إلى سوق العمل، بدأت تتشكل ملامح مسيرته المهنية، وكانت المحاماة هي المحطة الأولى.
ومن خلال عمله في المحاماة، أتيحت له فرصة الاحتكاك بأنواع مختلفة من القضايا، والتعامل مع تجارب لم يسبق له الاحتكاك بها، وهي تجربة يصفها بأنها كانت ثرية من جوانب متعددة؛ القانونية والثقافية وحتى المادية.
بعد ذلك انتقل العتيبي إلى العمل مستشارًا قانونيًا في أمانة منطقة المدينة المنورة، ليضيف إلى تجربته جانبًا آخر من العمل القانوني، قبل أن تقوده رحلته المهنية إلى مجال مختلف تمامًا.
من الدفاع عن الموكل إلى البحث عن الحقيقة
كانت المحطة التالية في مسيرة العتيبي هي العمل محققًا في هيئة الرقابة ومكافحة الفساد «نزاهة»، وهنا وجد نفسه أمام تجربة تختلف في طبيعتها عن المحاماة.
فالمحامي يعمل من زاوية مختلفة، يبحث عن الأدلة والثغرات التي تخدم موكله، بينما يقف المحقق أمام القضية بهدف الوصول إلى الحقيقة وتتبع خيوطها.
وعن الجمع بين التجربتين، يرى العتيبي أن عمله السابق في المحاماة كان من أكثر التجارب التي أثرت في مسيرته، وأن ممارسة المجالين منحته ثراءً كبيرًا، وبُعد نظر وإدراكًا أوسع للأمور.
ويصف المرحلتين بأنهما كانتا جميلتين وممتعتين، وأنه استفاد منهما كثيرًا، معتبرًا كل تجربة نقطة إيجابية في مسيرته وحياته.
أين يكمن الخلل؟.. جودة التنظيم ووضوح الأنظمة
ومع تراكم هذه التجارب بين القانون والمحاماة والتحقيق، يبرز سؤال مهم: ما الذي يمكن أن يقلل من فرص الوقوع في المخالفات أو شبهات الفساد؟
العتيبي لا يقدم نفسه بوصفه في موقع تقديم التوجيه المباشر للمسؤولين أو العاملين في الجهات الرقابية، لكنه يرى أن «مربط الفرس» يكمن في جودة التنظيم والتقنين ووضوحه.
فوضوح الأنظمة، بحسب رؤيته، يقلل بشكل كبير من مخاطر الفساد والمخالفات، لأنه يسهل على الفرد فهم الأنظمة والامتثال لها، كما يسهل على الجهات الرقابية والقضائية والأمنية مهمة تطبيقها ومتابعتها.
ومن هنا يؤكد أن التقنين الجيد لا ينعكس أثره على الأفراد فقط، بل يترك أثرًا إيجابيًا كذلك على الجهات المنوط بها تطبيق القانون.
رسالة إلى القانونيين والإعلاميين:اطَّلِع قبل أن تتحدث
وفي ختام الرحلة، يعود العتيبي إلى نقطة يرى أنها لا تقل أهمية عن الشهادات والخبرات، وهي الاطلاع وجودة الإعداد.
ويرى أن الواقع تغير كثيرًا، خصوصًا في المجال الإعلامي، مع اتساع البيئة الرقمية وتغير طبيعة المتلقي. فالمتلقي اليوم، بحسب وصفه، أصبح قادرًا على التمييز بين المتخصص الذي يتحدث بعمق، وغير المتخصص.
ومن هنا يلخص نصيحته في ضرورة أن يكون الإنسان على اطلاع تام بالموضوع الذي يتحدث عنه، وأن يحرص على القراءة والبحث والاحتكاك بالمختصين.
ويشير إلى مثال في المجال الإعلامي، حيث ذكر أن إعداد حلقة تلفزيونية مدتها ساعة واحدة قد يتطلب من مقدمها ما بين 16 و17 ساعة من الإعداد.
لذلك يختصر العتيبي رسالته في عبارة واضحة: «جودة الإعداد».
فالمسيرة، في نظره، لا تُبنى فقط بالشهادات أو المسميات الوظيفية، وإنما بالقراءة والاطلاع والتجربة، وبأن يتعب الإنسان على نفسه في بداياته، ويحرص على أن يعرف ما يتحدث عنه قبل أن يتحدث.
من كتاب إلى مسيرة
وهكذا بدأت الحكاية من مكان بسيط؛ مكتبة والد في منزل، وكتاب أثار فضول شاب في المرحلة المتوسطة، قبل أن يتحول ذلك الفضول إلى شغف، ثم إلى تخصص أكاديمي، فمحاماة واستشارات قانونية، وصولًا إلى العمل في المجال التحقيقي.
وهكذا، يثبت العتيبي أن المسيرة الناجحة لا تُبنى فقط بالمسميات، بل بـ«جودة الإعداد».. تلك الجودة التي بدأت من رفوف مكتبة صغيرة، وقادته ليقف اليوم مُتتبعاً لخيوط الحقيقة في أروقة «نزاهة».
