المقالات

الذكاء الاصطناعي في خدمة البحث العلمي

تغيرت خلال السنوات القليلة الماضية وتيرة الوقت الذي يُقضى في إنجاز بحث علمي أو دراسة، كما تطورت وسائل تجويد البحث العلمي والاستفادة من نتائجه وتطبيقاته، من حيث الزمن والجهد والتكاليف وجودة النتائج، بصورة لم تكن تخطر على بال كثيرين.

فاختيار موضوع البحث العلمي، ووضع خطته، وتحديد إجراءات العمل فيه وتنفيذه، كانت تستهلك جهدًا ووقتًا ومالًا ليس باليسير. وعلى الرغم من أنها أصبحت أسهل وأيسر مما كانت عليه في العقود والقرون السابقة، فقد كان إنجاز بحث أو تحقيق مخطوطة أو تأليف كتاب يستوجب السفر والترحال من بلد إلى آخر، وقد يستغرق ذلك شهورًا وربما سنوات، إلى جانب ما يترتب عليه من مخاطر لا مجال للحديث عنها هنا.

وقد ثبت ذلك فيما صدر من كتب ومؤلفات ومخطوطات في مختلف الفروع، مما تزخر به المكتبات ومراكز البحث العلمي محليًا وعربيًا وعالميًا.

وعلى سبيل المثال، فإن مخطوطة «المقاصد الشافية في شرح الخلاصة الكافية» لأبي إسحاق الشاطبي، التي صدرت عن معهد البحوث العلمية بجامعة أم القرى قبل نحو خمسة عشر عامًا، تعد مرجعًا رئيسيًا في النحو واللغة لمعظم طلاب العلم المتخصصين في اللغة والأدب.

وقد استغرق تأليفها سنوات عديدة من مؤلفها المغربي الأصل، الذي جاب الوطن العربي من المغرب إلى أقصى الشرق في العراق، جامعًا ما استطاع من معلومات ومخطوطات لإنجاز مؤلفه في النحو واللغة، حتى أصبح الكتاب مشهورًا وركنًا أساسيًا في اللغة والنحو، كشهرة مؤلفه.

لقد كلف تأليف هذه المخطوطة صاحبها وقتًا ومالًا وجهدًا لا يقدر بثمن، وكان الدافع الرئيس إلى تأليفها هو العلم من أجل العلم، ويشهد بذلك كل من اطلع عليها أو تتبع مسيرة تأليفها.

ومع تقدم التقنية وتطورها خلال السنوات الأخيرة، وما نتج عنها مما يسمى بالذكاء الاصطناعي، تسارع الكشف عن استخداماته ومزاياه والتحديات التي تواجهه. وقد قدم، ولا يزال يقدم، للباحثين والكتّاب والقراء وصناع القرار ومتخذيه وجميع فئات المجتمع تسهيلات تنافس أكبر عقل بشري، فضلًا عما يوفره من دقة وجودة وسرعة في الوصول إلى المعلومة بصورة تسابق الريح، وهو ما كان يتنبأ به أصحاب الخيال العلمي.

وهنا يمكن القول إن الذكاء الاصطناعي، لو كان موجودًا قبل خمسين عامًا فقط، لأسهم في تأليف مخطوطة «المقاصد الشافية» ذات المجلدات العشرة وغيرها من الكتب والمخطوطات في زمن قياسي.

ومع ذلك، فقد سطعت أنوار التيسير والاختصار في الدراسة والتدقيق وحسن الاختيار من خلال هذه الأداة، وأصبحت الأعمال تُنجز في زمن قياسي وبتكاليف أقل ودقة عالية تنافس أعظم العقول البشرية، ليس في البحث العلمي وحده، وإنما في المجالات الصحية والأمنية والاقتصادية والسياسية والدينية أيضًا.

ويمثل استكشاف المزيد من الاستخدامات والأدوات المشروعة لهذه التقنية وتطويرها لخدمة البشرية في مختلف المجالات إحدى النعم والمزايا التي يقدمها ما يسمى بالذكاء الاصطناعي.

وإذا كان الإقرار بحقيقة ما يقدمه الذكاء الاصطناعي (AI) من اختصار للزمن والتكلفة، مع تحقيق الجودة والدقة، وإتاحته للإنسان الباحث أن يصل إلى المعلومات وهو في منزله وبضغطة أزرار، مصدر سعادة ورضا وفخر بما صدر عن العقل البشري (Human Mind)، فإن ذلك كله يستوجب مزيدًا من التنقيب والبحث عن كيفية مضاعفة الاستفادة من هذه التقنية وتوظيفها.

ولا ينبغي أن تقتصر هذه الاستفادة على جلب المعلومات والدراسات والأبحاث وتوفير الوقت والمال، وإنما يجب مضاعفة توظيف التقنية توظيفًا سليمًا للوصول إلى مزيد من الاختراعات والابتكارات العلمية في مجالات الصناعة والصحة والاقتصاد، من خلال البحث العلمي.

فالتنافس اليوم بين البشر والدول على سطح الأرض وفي باطنها وخارجها وفي الفضاء يعتمد في جانب كبير منه على الأبحاث المدعومة بالذكاء الاصطناعي.

وفي مقابل ذلك، يجب ألا تقودنا الهرولة العمياء وراء استخدامات هذه التقنية ومزاياها إلى التسليم التلقائي بنتائجها. فالحذر من تبعات الاعتماد الأعمى عليها أمر واجب، لأن عكس ذلك قد يقود إلى نتائج سلبية وخطيرة، خصوصًا إذا أُغفلت الجوانب العاطفية والوجدانية التي تتضمنها أي ظاهرة إنسانية.

إن الاندفاع نحو الاعتماد الكلي والمطلق على هذه التقنية، وتجاهل المشاعر والعواطف الإنسانية التي تصاحب أي ظاهرة إنسانية على وجه الأرض وتسهم في تكوينها، يعد من مسببات الخلل العلمي الأساسي، بما يؤثر في النتائج وموثوقيتها ومصداقية الاعتماد عليها.

وختامًا، تأتي الاستفادة من الذكاء الاصطناعي في البحث العلمي ضمن الأولويات التي تزداد أهميتها في الدول التي تفتقر إلى أعداد كافية من الباحثين ومساعديهم. وحين تقل أعداد الكفاءات البشرية في بعض الدول، بحكم قلة عدد السكان أحيانًا، يصبح من الضروري مضاعفة الاستفادة من هذه التقنية في البحث العلمي؛ لتحقيق مزيد من الاستثمار في تطور الدول وتنميتها المستدامة، خصوصًا في مجالات الأمن والتعليم والصحة والصناعة.

لكن يجب أن يكون قائد هذه الديناميكية العلمية وضابطها هو الالتزام بأخلاقيات استخدام الذكاء الاصطناعي في البحث العلمي، التي وضعتها وصاغتها المراكز والهيئات المتخصصة؛ لضمان المصداقية والموضوعية في نتائج الاستخدام.

وبالله التوفيق.

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

  1. الحقيقة من أجمل ماقرأت لسعادة الأستاذ الدكتور زايد الحارثي ، فقد جمع ومنع ، ومقالته أجمل وأرقى من الذكاء الصناعي ، فالدكتور زايد خير من يمثل الذكاء البشري الحقيقي ،ربنا يوفق الجميع لخدمة هذا الوطن وطلابه..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى