ليست المنافي دائمًا أمكنةً تُطفئ وهج المبدع؛ فقد تكون، في لحظاتٍ نادرة، مختبرًا للروح، تتسع فيه الذاكرة، ويشتد فيه الحنين، ويولد من ألم البعد أدبٌ أكثر صفاءً وعمقًا. وهكذا كان منفَى أحمد شوقي؛ إذ خرج من مصر مُكرهًا، فوجد في أرض الأندلس بقايا حضارةٍ عربيةٍ عريقة، ووجد في البعد عن الوطن وطنًا آخر يسكنه الشعر والذكرى.
تلتقط هذه الصورة النادرة أحمد شوقي في منفاه بإسبانيا عام 1916، إلى جوار ابنيه حسين وعلي، في واحدة من الصور التي تختصر صفحةً مؤثرة من حياة أمير الشعراء. وقد جاء نفيه إلى إسبانيا نتيجة صلته الوثيقة بالخديوي عباس حلمي الثاني، الذي عزله الإنجليز سنة 1914، ثم أُبعد عدد من المقربين منه، وكان شوقي من بينهم، بعد أن اشتد نقده للاحتلال البريطاني ومواقفه السياسية.
بدأ شوقي إقامته في برشلونة، حيث مكث نحو ثلاثة أعوام، ثم أُتيح له أن يتنقل في أنحاء إسبانيا، فزار مدريد وطليطلة وقرطبة وإشبيلية وغرناطة. وكان لكل مدينةٍ وقعها في نفسه؛ غير أن قرطبة، بما تحمله من ذكرى مجد الأندلس، تركت في قلبه حزنًا عميقًا وهو يرى آثار الحضارة التي كانت يومًا منارةً للعلم والأدب.
وفي الأندلس ازداد شغف شوقي بالتراث العربي، فتأمل آثار المسلمين، واستحضر أيامهم ومجدهم، وكتب قصائد أندلسية من أشهرها سينيته التي عارض بها سينية البحتري، ومطلعها:
وَطَنِي لَوْ شُغِلْتُ بِالخُلْدِ عَنْهُ
نَازَعَتْنِي إِلَيْهِ فِي الخُلْدِ نَفْسِي
ولم يكن حنينه إلى مصر أقل حضورًا من افتتانه بالأندلس؛ فالوطن ظل حاضرًا في وجدانه، حتى بدا أن المسافة بينه وبين مصر لم تكن إلا جسرًا يعبر عليه الشعر. ومن أصدق ما قال في الحنين إلى وطنه:
أَحَرَامٌ عَلَى بَلَابِلِهِ الدَّوْحُ
حَلَالٌ لِلطَّيْرِ مِنْ كُلِّ جِنْسِ
كُلَّمَا نَادَيْتُهَا رَدَّتْ عَلَيَّ
حَسَرَاتِي وَهَتَافَاتُ أُنْسِي
وفي أثناء إقامته هناك، أتاحت له معرفته باللغات واطلاعه الواسع على الآداب والثقافات الأوروبية أن يوسّع أفق تجربته الأدبية، فكتب مسرحيته «أميرة الأندلس»، واستفاد من احتكاكه بالبيئة الإسبانية في تعميق صلته بتاريخ الأندلس وآدابها. ولهذا رأى نقادٌ أن شوقي عرف في المنفى ما يشبه «ميلادًا ثانيًا» لشاعريته؛ فخرج من التجربة أكثر نضجًا، وأشد اتصالًا بالوطن والتاريخ والإنسان.
وحين وصل إلى غرناطة، وقف أمام قصر الحمراء، وتأمل ساحاته وآثار ملوك بني نصر، وكأن الحجر أمامه كان يروي حكاية أمةٍ انطفأ مجدها وبقي صداها. ولم يكن شوقي في تلك الرحلة سائحًا عابرًا؛ بل كان شاعرًا يرى في كل قنطرةٍ ونافذةٍ ونقشٍ صفحةً من كتاب الحضارة العربية في الأندلس.
وحين دنا موعد الرحيل، خاطب ديار الأندلس في حنينٍ يفيض بالجمال:
يَا دِيَارًا نَزَلْتُ كَالْخُلْدِ ظِلًّا
وَجَنًى دَانِيًا وَسَلْسَالَ أُنْسِ
ثم عاد شوقي إلى مصر، لكنه لم يعد الشاعر نفسه الذي غادرها؛ فقد حمل معه أندلسًا كاملةً من الصور والذكريات، وحمل في قلبه يقينًا جديدًا بأن الوطن لا يُقاس بالمسافة، وإنما بمقدار ما يسكن القلب. وهكذا تحوّل المنفى في تجربته من عقوبةٍ سياسية إلى موسمٍ شعري، انفتحت فيه الذاكرة على التاريخ، وانفتح الشعر على آفاقٍ جديدة، وبقي الحنين إلى مصر أجمل ما خلّفه البعد في وجدان أمير الشعراء.
الصورة: أحمد شوقي مع ابنيه حسين وعلي في منفاه بإسبانيا، 1916م.
مخير بين نزار قباني وأحمد شوقي

