في كل عام يمر علينا اليوم الوطني، نقف قليلًا لنتأمل ما نعيشه من نعم، وأعظمها بعد نعمة الإسلام نعمة الأمن والأمان والاستقرار ، نعمٌ قد نعتاد عليها لكثرة ما نعيشها، لكننا حين نتأملها ندرك أنها من أعظم ما يمكن أن ينعم به الإنسان في وطنه.
فاليوم الوطني بالنسبة لنا ليس مجرد مناسبة أو يومٍ للاحتفال، بل هو فرصة نستذكر فيها قصة وطن، وما بذله الآباء والأجداد من جهود وتضحيات حتى وصلت بلادنا إلى ما وصلت إليه اليوم من أمن واستقرار وتقدم.
ونحن اليوم نعيش مرحلة مختلفة، مرحلة تحمل طموحًا كبيرًا للمستقبل ورؤية واسعة، وفي الوقت نفسه تقوم على الحزم والعزم في حماية الوطن ومقدراته. وهذا ما يجعلنا ننظر إلى المستقبل بثقة، ونستبشر بما هو قادم بإذن الله.
وفي مثل هذه المناسبات، يجب أن نستحضر الدعاء للوطن وولاة أمره، فصلاح القيادة واستقرار البلاد ينعكس أثره على حياة الناس وأمنهم ومستقبلهم.
قال الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله: «لو علمت أن لي دعوة مستجابة لصرفتها لولي الأمر، لأن في صلاحه صلاح الرعية»، وقال أيضًا: «إني لأدعو لولي الأمر بالتسديد والتوفيق في الليل والنهار، وأرى ذلك واجبًا علي».
ومن هذا المعنى ندعو الله أن يحفظ بلادنا وولاة أمرنا، وأن يديم علينا ما نعيشه من أمن ورخاء.
والوطن ليس مجرد أرض نعيش عليها، بل هو أمانة في أعناقنا، ومسؤولية تنتقل من جيل إلى جيل. وقد رحل رجالٌ عن هذه الدنيا بعدما بذلوا أرواحهم دفاعًا عن هذا الوطن، وقدموا أعظم ما يملكون حتى تبقى هذه البلاد عزيزة وآمنة، وينعم أبناؤها بما نعيشه اليوم.
ومن الوفاء لمن سبقونا أن نحافظ على ما ضحوا من أجله، وأن نعرف قيمة هذه النعمة. فالمحافظة على الوطن ليست بالكلام والشعارات فقط، وإنما بالعمل والإخلاص واحترام الأنظمة، والحرص على أن يؤدي كل شخص دوره كما ينبغي.
فكل واحد منا له دور، مهما كان هذا الدور صغيرًا في نظره. الموظف حين يتقن عمله، والطالب حين يجتهد في دراسته، والإعلامي حين يتحرى الدقة والأمانة في رسالته، وكل شخص في موقعه حين يؤدي الأمانة التي بين يديه؛ كل ذلك جزء من الوفاء لهذا الوطن.
ولعل أجمل ما يمكن أن نقدمه لوطننا أن نكون على قدر الأمانة التي نحملها، وأن ندرك أن بناء الوطن والمحافظة على مكتسباته مسؤولية الجميع.
وعندما نتحدث عن نعمة الأمن والوحدة التي نعيشها اليوم، لا بد أن نستذكر حال هذه الأرض قبل توحيدها. فقد كانت مناطقها وقبائلها تعيش في ظروف مختلفة، وكانت الصراعات والفرقة حاضرة في مراحل من تاريخها، حتى رزق الله هذه البلاد بالملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود رحمه الله، الذي جمع الكلمة ووحّد البلاد تحت راية واحدة، وأرسى دعائم دولة أصبح أبناؤها اليوم يعيشون فيها إخوة متكاتفين.
ومن هنا نستشعر أن ما نعيشه اليوم لم يأتِ من فراغ، بل سبقه عمل وتضحيات وجهود كبيرة، حتى أصبحت هذه البلاد وطنًا واحدًا يجمع أبناءها، وتحت راية واحدة تحفظ أمنهم وتصون مقدراتهم.
ولعل من الأبيات التي تستحضر تلك المرحلة، ما قاله الشاعر بندر بن سرور رحمه الله في الملك عبدالعزيز:
يقدر عليها اللي حكم نجد بالسيف
مودع مباغيض القبايل ولافي
وهي أبيات تعبّر عن صورة من صور التحول الذي شهدته هذه البلاد، من الفرقة والنزاعات إلى الوحدة واجتماع الكلمة.
فالختام اللهم أدم على وطننا الأمن والأمان والاستقرار، واحفظ المملكة العربية السعودية وقيادتها وشعبها، وأدم علينا نعمة الوحدة والرخاء، واحفظ سائر بلاد المسلمين.
وكل عام ووطننا بخير، وعزٍ، وأمنٍ وأمان.
