المحلية

ذكريات الكُتبيّة في “رحلتي مع المكتبات” المكيّة

[COLOR=#FF003E]ذكريات الكُتبيّة في “رحلتي مع المكتبات” المكيّة[/COLOR] أ. حسن محمد شعيب

[CENTER][IMG]https://www.makkahnews.sa/contents/myuppic/053979fbcb153d.jpg[/IMG][/CENTER] [JUSTIFY]في رحاب مكةَ نشأ بأربعينات القرن الماضي ، وتفتّحتْ عيناه على مناهل علْمِها المدرسيّ والحَرَميّ : متنقلاً بين مدرسة الصّفا إلى المدرسة العزيزية فالمعهد العلمي السعودي ، يغرفُ من مَعِين حلقات العلم بالمسجد الحرام مُعتزاً بشيخه السيد محمد أمين كتبي الذي كان فتوحُه الأدبي على راحَتيْه .

وقدّر الله لذلك الناشئ أن يكون في طريق باب السلام بالمسجد الحرام غدوةً ورواحا ؛ لتبدأ رحلته مع الثقافة والمكتبات كل يوم لمدةٍ امتدّتْ رُبع قرن منذ التحاقه بالمدرسة الابتدائية عام 1350هـ حتى انتقاله إلى عمله بجدة عام 1375هـ ؛ لينثرَها مقالاتٍ متفرّقة في جريدة “الجزيرة” ، ويأتي بعد أربعةِ عُقود عام 1413هـ ويُدوّنَها في كتيّبٍ صغير بعنوان “رحلتي مع المكتبات (مكتبات مكة المكرمة)” من تأليف الأديب والشاعر “عبد العزيز الرفاعي” الذي فارق الحياة بعدها بسنة تقريباً مخلّداً صفحات من تاريخ مكة الثقافي لا تُنسى أبداً .

تناول الرفاعي في كتيّبه حوالي الثلاثين مكتبة وشخصيّة كُتبيّة مكية ؛ فكانت ذكرياته المكتوبة تأريخاً لفترة خالدة من عمر الثقافة المكتبية بمكة المكرمة فيما يعرف بسوق الكتب بباب السلام ؛ ليؤرّخ لمشاهير باعة الكتب مفرّقاً بين مكتبات الكتب ، ودكاكينها التي تبيع المصاحف والصور والأوراق ، وبين دلالين الكتب أو سماسرتها الذين يعقدون صفقات ترِكات الكتب من ورثتها ، ويذكر منهم : البارودي ، والعم بعرورة ، وأحمد سيام .

فمن الكتبيّة الذين عاصرهم الرفاعي ودخل مكتباتهم ودكاكينهم : عبد الفتاح فدا ، عبد الصمد فدا ، عبد الله فدا ، حسن فدا ، عبد الكريم فدا ، عبد الحليم الصحّاف ، أحمد الحلواني ، عبد الرحمن العفّاني ، أحمد الباز ، أحمد السناري ، علي النهاري ، الشيخ الميرة ، عبد العزيز مرزا ، علي البوصي ، عبد الله غازي ، الشيخ إبراهيم كتبي ، الشيخ عبد الحفيظ كتبي ، الفخراني ، مكتبة الجيل لأصحابها : ( يحيى المعلمي ، حسن جوهرجي ، عبد القادر الفاسي ) ، مكتبة المعارف للشيخ عمر عبد الجبار .

ولا يغفل الرفاعي في ذكرياته الكتبيّة أخلاقيّات التعامل المكية الراقية التي سجّلها بمِدَاد من نُور وهو يحكي احتفاءَ باعةِ الكُتُب بالزّبُون وحُسْن استقباله وميلهم إلى الدّعابة والبشاشة معه ، والاهتمام بخدمة طالبِ الكتاب لدرجةِ بَحْث بعضهم لما يطلبُه من كتب عند غيرِهم ، إضافةً لما يحملُه معظمُهم من ثقافة وعلمٍ وأدَبٍ ؛ حيث كانوا طلابَ علمٍ وكُتبيّة مُحْترِفين يعرفونَ مَظانَّ الكتب ، بل إن بعضهم من الأدباء الروّاد بالبلاد والبعض الآخر مُقرؤون يحفظونَ القرآن ويُلمّون بقراءاته ؛ حتى أن بعض المكتبات كانت مِرْكازاً للأدباء والعلماء بل تحوّلتْ إلى أندية ثقافية مقصودة .

وفي منحى آخر يسلّطُ الرفاعيُّ الضوءَ على مَصَادر متعدّدة لثقافة ذلك العصر من خلال ما توفره تلك المكتبات من كتب دينية وتراثية كانت مطلب طلاب حلقات العلم بالمسجد الحرام ، إضافة إلى الكتب الحديثة التي تستوردها بعض المكتبات إلى جانب المجلات الثقافية من مصر ولبنان ، ولا يُخفي هنا بداياته القرائية مع قصص الملاحم الشعبية مثل : ( الزير سالم ، ألف ليلة وليلة ، عنترة ) والروايات الغربية المترجمة لكل من ( روكامبول ، وجونسون ) والتي كانت توفرها بعض المكتبات .

ويذكر الرفاعي كيف أن الشيخ أحمد السنّاري كان يؤجّر بمكتبته تلك القصص الشعبية لمن لا يستطيعُ شِراءها ، بل يجزّئها إلى مجلدات صغيرة يجلّدُها ويكتب على أغلفتها بخطّه ؛ فكانت روايات الجّيب لذلك الجيل ، بل إن الشيخ علي البُوصي في دكانه كان لا يدقّق في سعر تلك القصص ؛ فيأخذ الهللة والهللتين عليها ؛ المهم أن يقرأ الصبيان ويلتصقوا بالكتاب ، وفي ذلك ملمحٌ مهم إلى الدور الثقافي التكافلي الذي قام به كُتبيّة ذلك الزمن الجميل .

ويسجّل الرفاعي كذلك لأهم صفقات الكتب التي عاصرها في زمنه وهي شراء عبد الكريم الباز لمكتبة مؤرخ مكة الشيخ حسين بن عبد الله باسلامة بعد وفاته ، واغتنام الرفاعي لتلك الفرصة بشراء نُسْخة من كل مؤلفات باسلامة ، ويشير كذلك إلى كثير من الغنائم التي كان يحملها حَرَاج الكتب الذي يحكمه سَمَاسِرَتُه – ومنهم قاسم ميمني – الذين يحرصون على شراء المكتبات الخاصة والمغالاة في أسعار ما يجدُونه بها من نوادر الكتب .

ويختم الرفاعي كتيّبه الرائد بمُلحقيْن استدراكيّين : الأول خاص بتاريخ “مكتبة الثقافة” بقلم صاحبها الشيخ صالح محمد جمال ، والآخر رسالة من الأستاذ عبد الغني فدا يصحّح بعض ما ورد بالكتيّب من ذكريات الكتبيّة خاصةً من آل فدا ، وبعض المعالم المكيّة المهمّة ، إضافة إلى رسم تقريبي لمكتبات باب السلام يُنشر لأول مرة ، مُضيفاً بالختام أنه بصدد وضع تأريخ لمكتبات باب السلام من واقع معايشته وأسرته الكتبية لها آباءً وأجدادا .

[COLOR=#FF0036]* مِن آخِرِ السّطْر :[/COLOR]

ذكريات رُبع قرن حوَتْها مَقالة ، أعقبتْها استدراكاتٌ ، طُبعتْ في كتيّب فتحَ الآفاق وحرّكَ الهِمم لتوثيق ثقافة الكتب والمكتبات العريقة بالبلد الحرام ؛ أثمرتْ فيما بعد كِتاباً تاريخياً علمياً فخماً عام 1424هـ هو “باب السلام ودور مكتباته في النهضة العلمية والأدبية الحديثة” على يد أحد كبار العلماء المكيين وعضو هيئة كبار العلماء بالمملكة الشيخ الدكتور عبد الوهاب بن إبراهيم أبو سليمان ؛ نالَ بهِ جائزة الكتاب ، ثم وسام الملك عبد العزيز ، ثم جائزة الملك فيصل للدراسات الإسلامية .. لذلك أيها المكيّون ، دوّنوا ذِكريَاتِكم فستكونُ تاريخاً يوماً ما تَفخرُ به الأجيال .[/JUSTIFY] [email]Shuaib2002@gmail.com[/email]

————-
مقالات سابقة
[URL]https://www.makkahnews.sa/articles.php?action=listarticles&id=46[/URL]

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى