المقالات

التصويت على جدوى الدراسة في رمضان

أطلّ علينا، كالعادة، شهر رمضان ببهجته وروحانيته، واستعدّ له المسؤولون في التعليم بقائمة من الاختبارات الدورية لإلزام الطلاب بالحضور خلال هذا الشهر. وكان دخول شهر رمضان هذا العام يوم الأربعاء، وعليه قرّر ما نسبته أكثر من 50٪ من الطلاب تأجيل حضورهم للدراسة يومي الأربعاء والخميس إلى بداية الأسبوع الذي تلاهما.

وبالرغم من كثرة المطالبات من قبل المواطنين وغيرهم للنظر في مشكلة الدراسة في نهار شهر رمضان، إلا أنها لم تجد آذانًا صاغية من مسؤولي التعليم. ولا يريد أصحاب القرار الاستماع إلى معاناة الناس مع أطفالهم في هذا الشهر، من ناحية إيقاظهم صباحًا وجعلهم ينامون مبكرًا، وكذلك معاناة الأمهات بعد العودة من أعمالهن والدخول إلى المطبخ لإعداد وجبة الإفطار للأسرة.

وفي الوقت نفسه لا يريدون عمل دراسة رصينة لقياس مدى الغياب أولاً ثم مدى استفادة الطلاب من الدراسة خلال أيامٍ محدودة في شهر رمضان، حيث لم نسمع عن أي إحصائية توضح الفرق بين أداء الطلاب في الاختبارات الدورية في شهر رمضان وفي غيره من الشهور. وإن كانت قد أُجريت دراسات على ذلك، فهل كانت نتائجها سرّية للغاية وغير قابلة للنشر؟ أم إن تقييمات الجودة والأداء لا تتم عادة في هذا الشهر؟ أو أنها تُجرى ولكن لا يُلتفت إلى نتائجها؟

ولو قمنا بحساب عدد الأيام التي تتم فيها الدراسة في هذا الشهر لوجدناها لا تتعدّى 15 يومًا تقريبًا، حيث لا يدخل في الحساب عدد أيام الإجازات الأسبوعية البالغة ثلاث إجازات بعدد يبلغ 6 أيام، بالإضافة إلى إجازة الأيام الستة الأخيرة من الشهر. وهذه الخمسة عشر يومًا الدراسية تساوي تقريبًا عدد أيام إجازات نهاية الأسبوع المطوّلة خلال العام الدراسي. ومن خلال خبرتي التعليمية الشخصية على مدى أكثر من ثلاثين عامًا، فقد كنت أقف أمام طلاب كانوا بالكاد يفتحون أعينهم لمتابعة المحاضرات خلال الصوم، وكانت نتائج الاختبارات الدورية لهم سيئة للغاية.

إن كثرة وتكرار الإلحاح على طلب إيقاف الدراسة من قبل أولياء أمور الطلاب، وإصرار المسؤولين عن التعليم على استمرار الدراسة فيه، رغم كل هذه المعاناة وضعف الأداء الطلابي، لا يعطي إلا انطباعًا واحدًا، وهو أن المسؤولين على اقتناع تام بأن رمضان ليس شهر كسلٍ ونوم، وإنما هو شهر جدّ وعمل كما كان عليه المسلمون الأوائل، حتى ولو كانت حصة الطلاب من ساعات النوم قليلة مقارنة بعدد ساعات نوم الأوائل قبل اختراع الكهرباء. فهل مسؤولو التعليم لا يريدون أن يحرموا الناس من لذة بقائهم يقظين لينالوا أجر ومثوبة الشعور بالجوع والعطش في نهار شهر رمضان؟ وإن كان ذلك هو الهدف فجزاهم الله خيرًا على منح الناس هذه الفرصة التي لا تتكرر إلا مرة في السنة.

إن من أولويات مفهوم رؤية 2030 تطوير التعليم، ومن ذلك تحسين أداء كلٍّ من المعلمين والطلاب، وهذا لا يتأتى إلا إذا نال جميعهم الساعات الكافية من النوم قبل البدء في اليوم الدراسي، وهو ما لا يتوفر في شهر رمضان. إذا كانت الدراسة تبدأ الساعة التاسعة صباحًا ففي الرياض وجدة، مع دقات السابعة، تبدأ رحلة الاستعداد، ويصبح حساب الطريق والزحام جزءًا من طقوس الصباح.
ولذلك ينبغي أن تقوم وزارة التعليم بعمل الدراسات اللازمة المستقلة لتقييم جودة التعليم في شهر رمضان، وجعل نتائج هذه الدراسات وإحصاءاتها متاحة للجميع، حتى يطمئن الأهالي على مستقبل أبنائهم الطلاب والطالبات، وللتأكد من عدم إضاعة أوقاتهم وأوقات أهاليهم دون تحقيق فائدة تُذكر.

فإذا لم يتم الوصول إلى نتائج تصب في مصلحة الطلاب والمعلمين، فإنه من الأولى أن يصل صوت أولياء أمور الطلاب وكذلك المعلمين إلى المسؤولين في وزارة التعليم، لمنحهم الفرصة للتصويت إلكترونيًا عبر منصة «توكلنا»، للتعبير عن وجهة نظرهم حول الدراسة في نهار شهر رمضان. وبناءً على نتائج التصويت يتم اتخاذ القرار الذي سيصب في مصلحة الأغلبية: فإما إيقاف الدراسة في شهر رمضان، أو تحويل الدراسة لهذه الخمسة عشر يومًا إلى الفترة المسائية.

فهل سنرى انفراجًا في الأعوام القادمة إذا كُتب لنا عمرًا؟
وكل عام وأنتم بخير.

أ.د. حسني بن أحمد مؤذن

أستاذ متقاعد من جامعة ام القرى

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى