
جدليةٌ ممتدةٌ منذ سنين طويلة، طرأت عليها ظروف وتغييرات متعددة من بينها الانفتاح على الثقافة الغربية، فرحب بها المجددون وباتوا لها يزفون ويطبلون، ووقف أمامها المحافظون حائط صد، يقولون ما هذا بشعر وما هذا إلا الجنون !
وأمام هذا الصراع المستمر والإنكار المتبادل بين المحافظين والمجددين، تحاور صحيفة “مكة” الإلكترونية، عضو مجلس إدارة النادي الأدبي بمكة المكرمة الناقد الأدبي الدكتور عبدالله إبراهيم الزهراني، عن الشعر والنثر ولماذا ينكر كل طرف منهما الآخر وعن الأسباب التي لا زالت تثير الجدال بينهما إلى يومنا هذا.
ويتطرق الحديث الشيق إلى دور وزارة الثقافة الذي اعتبره الزهراني محبطًا، في الوقت الذي صبَّ فيه جام غضبه على النقاد الذين التزموا الصمت حيال القضايا الأدبية الملحة والظواهر الشعرية الشاذة.
– ما مدى اهتمام الأندية الأدبية في المملكة بالرواية والنثر؟
لا شك أن المنابر الأدبية تختلف من مكان إلى مكان، فلربما أن بعض المراكز الثقافية والأندية الأدبية قد لا تعنى بهذه الزاوية؛ ولكن نجد أن بعض الأندية قد تخصصت في هذا الأمر كنادي الباحة مثلا فقد خصص عدة لقاءات لهذه الزاوية.
وعندنا في النادي بدأنا في الفترة الأخيرة بدلا من القراءات المنبرية الواسعة، آثرنا أن يكون الفضاء في الاختصاص بالذات لذلك أنشأنا مجموعة من الجماعات منها جماعة فضاءات السرد وقد ألقت هذه الجماعة أكثر من ثلاث لقاءات حتى الآن ولديها لقاء قادم بإذن الله تعالى.
– البعض يعتبر النثر نوعًا من أنواع الشعر، فما ردك؟
ليس لهذه الدرجة، لأن العمليات المائزة بين النثر والشعر مثار نقاش بين النقاد القدامى ولكن توجد بعض الجوانب والتقاطعات بين النثر والشعر، فالشعر والنثر العربي القديم حسم هذا الوضع فالشعر شعر والنثر نثر.
ولكن مع موجة التحديث التي طرأت على النهضة العربية في كافة جوانبها كان الشعر والنثر من الميادين التي لمست هذا الجانب لمسًا قويًا ولذلك كان آخر أو ما يمكن التحديث فيه هو قضية ما يسمى بقصيدة النثر أو النثيرة كما يطلق عليها بعض النقاد.
– هل أثرت القصيدة النثرية على جماليات الشعر المعروف؟
قد يكون لها تأثير ولعل من أولى التأثيرات أن قصيدة النثر لا يمكن أن تحفظ القصيدة العربية القديمة كانت حكمة ظاهرة، وجدنا لديها البيت السائر وحسن السيرورة وهذه ظاهرة نقدية في الشعر العربي القديم.
أما قصيدة النثر فلا تستطيع أن تحفظها فهي أشبه بتداخل الأجناس المشكل بين القصة وقصيدة النثر، هذه من الأمور المعضلة الظاهرة التي قد لا يشعر بها القارئ البعيد عن مثل هذه الإبداعات.
– هل تنحاز إلى من يقولون بأن النص النثري هو نص شعري؟
النص النثري إذا أخذناه بمفهوم الصورة العامة فمن الممكن أن نقول انه يقترب من مفهوم الشعر لكن إذا أخذنا مفهوم الشعر تحت مصطلح مختلف له إيقاع واضح فإنها لا يمكن أن تلامس هذا الجانب لأن الإيقاع يعد غائبًا كليًا ولذلك فإن هذه الموجة صحيح أن بعض الناس يظن أو بعض النقاد يظن على أنها هي ستنتهي إليها القصيدة العربية؛ ولكنني كما ألاحظ في كثير من المنابر وكثير من الصحف والمجلات أن القصيدة البيتية ما زالت موجودة وهي سائرة ولا يمكن لها أن تغيب.
– ما رأيك بإغراق الساحة الأدبية بمؤلفات ودواوين تشوّه الشعر؟
المعضلة هي أن بعض الشباب يحاول أن يكون شاعرًا بالقوة وهذه مشكلة ومعضلة كبيرة جدًا، غياب النقد وتشريح مثل هذه النماذج هذه مشكلة النقاد ومشكلة الصحافة الأدبية والمجلات الأمر يقع على عاتق النقاد الذين ينبغي أن يكونوا دائما في النظر والمرصاد أمام النماذج المطروحة حتى لا يعلو على السطح ما لايستحق.
– هل ساهمت دور النشر في إغراق الساحة بالمخرجات الضعيفة؟
أسهمت دور النشر في إغراق الساحة بالنماذج الضعيفة ليس في الشعر وحسب بل في القصة والرواية، الغواية الشهرة لدى الكثير ممن يدعون الإبداع هي وراء هذا الأمر.
– هل كتابة القصيدة النثرية هروب من الشعر؟
من لا يستطيع أن يكتب القصيدة البيتية لا يستحق أن يسمى شاعرا حتى وإن زعم انه يكتب ما يسمى قصيدة النثر.
– هل تحدثنا عن جماعة “شعر” وآمالكم وتطلعاتكم؟
جماعة “شعر” انبثقت من اقتراح الزملاء بمجلس الإدارة وجمعية النادي والمشاركين، بدأنا نفكر في تغيير ماهية الأنشطة في النادي الأدبي، فأنشئت جماعة شعر ولها طموحات ولدينا مهرجان شعري يمكن أن يطلق عليه مهرجان وطني يستضيف 10 شعراء، وعقدنا عددا من الجلسات في هذا الجانب ونأمل أن يكون القادم أفضل.
– كيف تقيّم العلاقة بين الأندية الأدبية ووزارة الثقافة؟
عملية التنازع في هذا الأمر بين الوزارة والنادي، نحن علينا أن نعمل في حدود الطاقات الموجودة والوزارة لها رؤيتها ولها نظامها وربما الأيام المقبلة تأتي بما يسر أن شاء الله تعالى.
– هل صمت الوزارة محبط لكم؟
في الحقيقة محبط لأننا إلى الآن لم نعرف الطريق، وهذه ليست مشكلة النادي فحسب بل مشكلة الثقافة لكن عموما في ظني هذا الوضع له مخاض جيد في الأيام القادمة.
– هل أنتم الآن تتبعون إلى وزارة الإعلام أم الثقافة؟
نحن بشكل رسمي نتعامل مع الجهتين حتى الآن، أحيانا تأتينا توجيهات من الإعلام وأحيانا تأتينا من الثقافة ونتعامل معها جميعا.
– ما سر عزوف المثقفين عن حضور فعاليات الأندية الأدبية؟
مشكلة المثقف اليوم لديه أماكن أخرى من الممكن أن تجذبه نحو الثقافة، على سبيل المثال قنوات التواصل الاجتماعي تغني المثقف من القدوم إلى النادي لأنه سيلقى ما فيه في أماكن أخرى، الشكوى عامة، ولكن الثقافة التي يتعاطاها المثقف يعشقها أينما كانت.
– ما هي أبرز مطالبكم من الوزارة؟
نتمنى من الوزارة أن تلتفت إلى الأديب والشاعر الحقيقي بعيدا عن الذين يريدون الفلاشات والإعلام ويعشقون حب الظهور وهم بعيدون كل البعد عن الثقافة.





