منذ اللحظة الأولى التي يضع فيها الحاج نيّة الرحيل إلى بيت الله الحرام، يبدأ وطن كامل بالاستعداد له قبل أن يستعد هو لنفسه.
في هذه البلاد لا يُترك الحاج ليواجه الطريق وحده، ولا يُعامل باعتباره رقمًا في موسم مزدحم، بل يُحاط بعناية دقيقة تبدأ قبل وصوله إلى المشاعر، وتمتد حتى يعود إلى منزله سالمًا مطمئنًا وكأن الوطن كله كان يسير إلى جواره خطوةً بخطوة
قبل أيام، وردني اتصال من أحد المراكز الصحية في المنطقة لحجز موعد لإجراء تحاليل خاصة بالحج، دون أن أتقدم بطلب، أو أبحث عن موعد، أو أطرق بابًا. كان الأمر أشبه برسالة خفية تقول: “نحن نراك… ونهتم بك… ونعمل لأجلك قبل أن تطلب.”
وبعد دقائق فقط، وصلتني عبر تطبيق “صحتي” وصفة طبية متكاملة، تضم الإبر و الأدوية والمراهم وكل ما قد يحتاجه الحاج في رحلته المباركة، مدفوعة التكاليف، مهيأة بعناية، وكأن خلف هذا الإجراء البسيط منظومة كاملة تعمل بصمت كي يصل الإنسان إلى المشاعر وهو أكثر طمأنينة وأقل قلقًا.. وحين تبدأ رحلة الحج فعليًا، يتجلى المشهد بصورة أعظم وأوسع من أن تختصره الكلمات.. المشاعر المقدسة اليوم ليست مجرد مواقع تستقبل ملايين البشر، بل مدينة إنسانية هائلة تعمل بكامل طاقتها على مدار الساعة؛ مستشفيات متنقلة، مراكز صحية، عربات إسعاف، فرق طبية، طواقم تمريض، أجهزة حديثة، طرق مهيأة، مياه باردة، تنظيم دقيق، وعيون لا تنام.. كل شيء يتحرك بانضباط مذهل، وكأن خلف كل حاج جيشًا كاملًا من البشر يعمل لأجله دون أن يشعر.. وما يثير الفخر حقًا، أن هذا الجهد الهائل يتكرر كل عام بالكفاءة ذاتها، رغم أن العالم كله يدرك أن إدارة الحشود من أعقد التحديات البشرية وأكثرها حساسية.. لكن المملكة العربية السعودية لم تتعامل مع الحج يومًا باعتباره “موسمًا”، بل تعاملت معه باعتباره رسالة شرف ومسؤولية تاريخية ودينية وإنسانية.. وفي وسط هذا المشهد المهيب، يتسلل إلى القلب شعور عظيم لا يشبه أي شعور آخر… شعور الامتنان.. الامتنان لأنك تنتمي لوطن جعل خدمة الإنسان قيمة قبل أن تكون واجبًا.. لهذا، مهما حاولت اللغة أن تصف، ستبقى أقل من حجم الشعور الحقيقي. أدام الله على وطني أمنه وعزَّه وقيادته، وحفظه وطنًا يفخر به أبناؤه وتطمئن إليه قلوب المسلمين..
مدير ادارة الاستثمار – كلية الباحة الاهلية للعلوم






