إيوان مكة

بيتٌ بلا باب

رجعتْ للبيت البحري القديم، كانت أرضيته مبللةً بماء اليقين بعودتها إليه، فتحت خزائن غرفتها ورفعتْ فستاناً ذي ثلاث طِبَق لونه عاجي، محلى بفصوص كريستالية براقة يتخللها حبات من اللؤلؤ المطفأ ، قال صوتٌ لها : هذا الثوب البسيه في العيد كما كنت تفعلين فيما مضى، هزَّت رأسها إيجاباً، وعلقت الثوب في مشجب الانتظار ، لفت نظرها المشلح الأسود والمعلق على باب الدولاب من الداخل كان فيما يبدو معثوثاً رغم احتفاظه بتطريزه المذهب ، قالت وهذا؟! أجابها الصوت دعيه مكانه سيطوى ويرمى، ومضت تكمل ترتيب منزلها العتيد، وأخذ مايمكنها مما تبقى من أثاثه المطمور تحت أتربة الغربة ، فتحت درجاً وجدتْه مملوءً بمعلبات الحمص والفول والفاصوليا والبازلاء والأجبان وقوارير المربى التي تعشقها، قالت ابنتها دعيها فتاريخ صلاحيتها قد انتهى ، أصرت على أخذ ماكان منها جيداً إذ شجعها لمعان القوارير التي ماتزال تحتفظ بتواريخ صلاحية محتواها المطبوعة على أشرطتها الملونة
التي حزمتها حول كل قارورة اغرتها بحملها في حقيبة بيضاء ، وتركت بقية الأشياء الفارغة على رفوف خزائن المطبخ، شعرت بقدميها تبردان بسبب المياه المنسابة على أرضيات المنزل، أو يخيل لها ذلك ، عادت لغرفة نومها لمواصلة جمع المزيد من الثياب، فوجئت باحتفاظها بملابس مواليدها السبعة مختومة في قراطيسها، كانت قد جاءتها هدايا حين ولدتهم ، ابتسمت وابتسم ذو الصوت القادم من خلف الأزمنة التي سحقت كليهما بعجلة الفراق الأبدي ، قال خذي ماشئت من هذه الهدايا لعلك تقدميها لمن يحتجنها من قريباتك ، تنبهتْ لصوته في اللحظة التي أفرغت محتوى جميع الخزائن ،ولما همَّت بالخروج من المنزل التفتت لتقفله بإحكامٍ فلم تجد له باباً ، فتركته مفضيا إلى الحديقة بكل أسراره المتمردة على النسيان، ومشتْ في طريقها حتى شعرت بحرارة الشمس تلفح جبينها، رفعت بصرها فإذا بالساعة تشير إلى العاشرة صباحا ، نهضت متثاقلة نافضةً عنها أبخرة حلم متكرر.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى