
رجعتْ للبيت البحري القديم، كانت أرضيته مبللةً بماء اليقين بعودتها إليه، فتحت خزائن غرفتها ورفعتْ فستاناً ذي ثلاث طِبَق لونه عاجي، محلى بفصوص كريستالية براقة يتخللها حبات من اللؤلؤ المطفأ ، قال صوتٌ لها : هذا الثوب البسيه في العيد كما كنت تفعلين فيما مضى، هزَّت رأسها إيجاباً، وعلقت الثوب في مشجب الانتظار ، لفت نظرها المشلح الأسود والمعلق على باب الدولاب من الداخل كان فيما يبدو معثوثاً رغم احتفاظه بتطريزه المذهب ، قالت وهذا؟! أجابها الصوت دعيه مكانه سيطوى ويرمى، ومضت تكمل ترتيب منزلها العتيد، وأخذ مايمكنها مما تبقى من أثاثه المطمور تحت أتربة الغربة ، فتحت درجاً وجدتْه مملوءً بمعلبات الحمص والفول والفاصوليا والبازلاء والأجبان وقوارير المربى التي تعشقها، قالت ابنتها دعيها فتاريخ صلاحيتها قد انتهى ، أصرت على أخذ ماكان منها جيداً إذ شجعها لمعان القوارير التي ماتزال تحتفظ بتواريخ صلاحية محتواها المطبوعة على أشرطتها الملونة
التي حزمتها حول كل قارورة اغرتها بحملها في حقيبة بيضاء ، وتركت بقية الأشياء الفارغة على رفوف خزائن المطبخ، شعرت بقدميها تبردان بسبب المياه المنسابة على أرضيات المنزل، أو يخيل لها ذلك ، عادت لغرفة نومها لمواصلة جمع المزيد من الثياب، فوجئت باحتفاظها بملابس مواليدها السبعة مختومة في قراطيسها، كانت قد جاءتها هدايا حين ولدتهم ، ابتسمت وابتسم ذو الصوت القادم من خلف الأزمنة التي سحقت كليهما بعجلة الفراق الأبدي ، قال خذي ماشئت من هذه الهدايا لعلك تقدميها لمن يحتجنها من قريباتك ، تنبهتْ لصوته في اللحظة التي أفرغت محتوى جميع الخزائن ،ولما همَّت بالخروج من المنزل التفتت لتقفله بإحكامٍ فلم تجد له باباً ، فتركته مفضيا إلى الحديقة بكل أسراره المتمردة على النسيان، ومشتْ في طريقها حتى شعرت بحرارة الشمس تلفح جبينها، رفعت بصرها فإذا بالساعة تشير إلى العاشرة صباحا ، نهضت متثاقلة نافضةً عنها أبخرة حلم متكرر.






