الثقافية

“حكايات الشرق والغرب وتقارب المختلف ..الصريم؛ يكشف حوار الحديقة مع الصحراء” .. عبدالله الصليح

(رواية الصريم – أحمد السماري)

يحدث أن تمنح سطور نسجت على ورقات كتاب، قدرة متزايدة على التحليق، تنجح السردية في إخفات الأصوات والأفكار وعزل المنطق، حيث لا صوت يعلو على حديث الرواية، فمهما كان الوقت والحال، أنا أجلس كزيد في مقابل وليم وأنتظر ما يسرده حول علوم الشرق والغرب ومحاولات الوقوف بينهما على حد التوازن الصعب، ولا زلت في كل مرة يسعني فيها الامتلاء بما قرأته حول العلوم الطبيعية أجد المتعة في اكتشاف النقيض، لا بد وأن يجمعني الحظ براوية عليم يعيدني لنقطة البداية بصيغ متعددة ومنظور مختلف في كل مرّة، في قصّة أحب سماعها دون أن تذوب دهشتي الأولى، قدّم وليام نفسه كأحد الباحثين المميزين بكل ما تحويه الكلمة من جذب وإثراء.
كما أوجد التوظيف الجميل للتناقضات بين الشرق والغرب، وذلك من خلال الشخصيتين الرئيسيتين، توارى خلف اسم كل واحد منهما عوالم وثقافات وأسرار، جمعهما طريق السفر عبر المسافة الفاصلة بين الكويت والهفوف، فاستشعرت كل محطات التوقف، والاستراحة، وأحاديث السمر، واتفاقية التبادل في أدوار الحديث بين الشرقي البدوي بما يكتنز في عقله من حكايا وقصائد شعرية، وما لدى ويليام بما يعرفه من علوم وأساطير عالمية، كقصة الأميرة الإنجليزية التي تزوجت بدويًا.. وقصة وادي الذئاب التي حكاها زيد وحي بيئته، يستمر بعدها التداول بين عالمين مختلفين بطريقة إثرائية، صوّرتها رواية السماري كطرق متوازية؛ وجدت لتترافق دون أن تتقاطع بينها المقاصد.. قريبة لدرجة الدفئ والتوهج، وبعيدة على أن يصادر بعضها بعضا.
وكما لا تختفي رغبة التأثير والإقناع، تطرقت الرواية إلى أعمق من لقاء الثقافتين والتسامح إلى محاولة الانسجام والتزاوج بينهما، وتجلّى ذلك في محاولة وليام لإقناع زيد بأن التغيير والطموح لا يتوقف على حدود جمع المال وبناء منزل يحمي لفترة مؤقتة من قوارع الدّهر، كما ظنّ ذلك، وحاول تغيير حدوده للكفاية بتأسيس حلّ لمشكلة محلية من خلال مشروع تجاريّ، في صورة تعكس طريقة نظر مختلفة، وتجدد التساؤل حول ماهية الأثر الذي يتركه لقاء عقلين يتفاوت كلّ منهما في مصدره وتطلعاته، وكيف يمكن أن يسهم التقارب الفعال بينهما في خلق تغير وتطور حقيقي لكلا الطرفين.
ينتقل بعدها السماريّ إلى سرديّة تحاول التعمق في ماهية مجال المال والأعمال، حيث توالدت شخصيات هنا وهناك، تتحدث وفق كينونتها وفلسفتها الخاصة، حيث الصفقات التجارية، وما خلف كواليسها من محاولات الاحتكار والحصول على صفقة أفضل لدرجة التحايل، مرورًا بطريقة تفرّس رجال الأعمال فيمن يعقدون صفقاتهم معه، وخاصة في شخصية أبي يوسف الذي يكفل زيدًا دون معرفة مسبقة، بحجة وجود إشارة تنبع من شعور شخصي، تبدأ به أكثر الخطوات مغامرة، دون منطقية في ذلك سوى في عقل تلك الشخصية، والتي حين يشاهد الناظر ما تمثله من نجاحاتٍ جاءت بذات الطريقة، فإنه قد يسلّم بجدوى ما لا يملك تصوره وفهمه.
في الفصل الثاني، كان الحديث حول نشأة زيد في قريته الصغيرة، حيث فراق والده بعد مرضه الذي ألمّ به، و تلا هذا الحدث بما عاناه من يتمٍ وظلم ذوي القربى، حتى ملك أمره وشدّ عزمه، لينال ما يستحقه من تركة والده، وإلى جانب تعزز شخصيته بانتصاراته، كان لشخصيته أن تزهو نحو أنثاه الأولى، “وطفى” ابنة الشادي الرحّال التي أحيت فيه ما توارى خلف الرمال التي ابتلعت خطاها لاحقًا، ليزيده ذلك ثقة بما نواه حول الرحيل والاغتراب في طلب الرزق والفرص، فتبدأ رحلته خارج الحدود التي اعتاد فيها صباه..
لم تخل الرواية من ارتسام الحكمة التي يتحلى بها صانعها، حيث تنسل من كلمات شخصياته عبارات لا يمكن تجاوزها دون تمعّن، ومنها: “عش حياتك كما تحب، ستبحث يومًا عن الذين عشت لأجلهم، ولن تجدهم”.
بعيدًا خلف حد الإبحار في تفاصيل الشخصيات، والأحداث وسردها، حاولت الرواية تفسير ماهية المجتمعات التي عاش فيها أبطال الرواية، ومن ناحية دقيقة الوصف والتحليل، ومن ذلك هذا الاقتباس: “هذا من محاسن الفقر ومساوئه، يجعل مجتمعنا بسيطًا من جانب، ومعقدًا من جانب آخر، ..يغضب بسرعة وينسى بسرعة، الصراخ والضرب أفضل الطرق للتنفيس عن غضبهم، والكرم وذبح الخراف أحسن وسيلة لجبر الخواطر ونسيان الغلّ وتغيير الآراء، …نطاق الفردية بينهم محدود للغاية، وتلعب الشائعات دورًا مهمًا في الرقابة على سلوك وتصرفات الأفراد..”
في أسئلة دارت، وحواراتٍ وجدت في سطور الرواية، كانت شخصيّة وليام تمثل الإجابة، وشخصية زيد تمثل الفتيل اللي يتوقّد بالأسئلة، من التساؤل حول الوجود الإنساني، والكوارث وفلسفة السببية، مرورًا بالعلاقات الإنسانية وانتهاء بالثقافات وطريقتها في حل الإشكالات وتوفير التفسيرات والمقترحات في نسق سؤال وإجابة عليمة، فمطالعة الرواية لا تكتفي بنقل الصور وتجسيد الأحداث، تزيد على ذلك بثقافة معلوماتيّة ومتنوعة، لا شكّ أن ذلك مما يميز السرديّة ويضيف لها.
توقفت عيني عند بعض الصور الوصفية الجاذبة، كوصف زيد عن الكويت: “مياهها مالحة، لكنّ ملافظ أهلها أعذب من الماء الرقراق”، وحديثه بأسى عن حياته في قريته: “في قريتنا لا يوجد مستشفى أو حتى مركز صحّي، لكنّ هناك عشرة مساجد للصلاة على من تحين ساعة موته”، كذلك كان لوليام ما يصف به الصحراء التي جاء لاكتشاف أسرارها وأحوال أهلها، ليقول عنهم تاليًا: “يحبون الزائر البخيل في زياراته، تلقي به المواسم القصيرة في الدروب، ثم يمضي مسرعًا، تبخّره الشمس الحارقة نحو أصوله الحقيقية في الغيم السماوي…علمهم الجفاف أن الملكية قضية فارغة، تعلموا من الطبيعة ألا يلهثون خلف الحاجات، فالماء والعشب والنار ملكية عامة…عندما يواجهون الحاجة الملحّة يتغلبون عليها بالصبر، اختاروا الصحراء وتحدوا الطبيعة فازدادت قوتهم روحيّا وجسديا، تعلموا منها كيف يبدو الإنسان صغيرًا وضعيفا، وتعلموا منها أيضًا الاعتقاد بقوة وطاقة فوق طاقة البشر”.
أرخت الرواية لحقبة تاريخية من حياة سكان الجزيرة العربية، وأشارت إلى جوانب من حياة مثرية، مهما كانت شاقة، ممتعة وإن نسجت معالم الألم خيوطها في كل مراحلها، فهي تبقى جزءً من حياة بطل مكافح، استحق ما ناله بصبره، وجبر ما تعاظم من كسره، فعاد راضيًا بما عاد، سعيدًا حيث أراد.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى