المقالات

الخطاب الأيديولوجي العربي في الأزمات.. قراءة في تجربة غازي القصيبي

«في عيون العاصفة» (1):

من القصيبي إلى اللحظة الراهنة ( 1990_ 1991) والخطاب الأيديولوجي العربي

————————.

لم يكن عنوان الزاوية  “في عيون العاصفة” مجرد اختيار لغوي بارع، بل كان تحديدا واعيا لموقع الكاتب: داخل الحدث وفي قلب التوتر لا في الهامش.
هكذا كتب غازي القصيبي خلال حرب عاصفة الصحراء في أوائل التسعينات حينما هاجم صدام السعودية واصطف اليساريون والقوميون والإخوان المسلمين وكل الأيديولوجيات المتناقضة معه ضد السعودية بينما وقف العرب العقلاء الذين كانوا يعون خطر تلك اللحظة على الوطن العربي، كتب القصيبي مقالا تاريخيا بوصفه شاهدا ومثقفا يدرك أن الكلمة في زمن الأزمات مسؤولية أخلاقية.

تميّز خطاب القصيبي في تلك المرحلة بأنه لم ينجر إلى الانفعال، رغم أن السياق كان يبرره ولم يقع في التبسيط رغم إغراء الشعارات، حيث اختار طريقا أكثر صعوبة: أن يكتب بوعي المثقف لا باندفاع المسؤول، وأن يوازن بين الحس الوطني والاتزان العقلي دون أن يتخلى عن وضوح موقفه وتوجهاته.

كان القصيبي يدرك أن الخطر لا يكمن فقط في الصواريخ التي تعبر الأجواءالسعودية فحسب بل في الأفكار التي تُمرر وفي الخطابات التي تعيد تشكيل وعي الجمهور على نحو مضلل، لذلك جاءت مقالاته كنوع من إعادة ضبط الإدراك والوعي حيث يعيد ترتيب العلاقة بين الحدث وتفسيره، بين الوقائع والانطباعات، بين الموقف والانفعال.
وفي هذا السياق لم يكن دفاعه عن وطنه مجرد اصطفاف عاطفي، بل كان دفاعا مؤسسا على قراءة سياسية واستراتيجية لطبيعة التهديد وحدود الممكن ومقتضيات السيادة ومن جانب آخر إيضاح الحقيقة وتبيان التناقضات وتحديد بؤرة (الحقد والحسد والانتهازية العربية) وهو ما منح كتاباته قدرة على الاستمرار لأنها لم تكن رهينة اللحظة بل متجاوزة لها.

كما أن القصيبي وهو يكتب من داخل العاصفة لم يفقد حسه النقدي ولم يحوّل المقال إلى خطاب تعبوي ولم يسمح للغة أن تتحول إلى أداة شحن حيث حافظ على مسافة عقلانية تتيح له أن يرى التناقضات ويشير إليها دون أن يسقط في فخ التعميم أو التبسيط.
هذه الخاصية تحديدا هي ما يجعل استعادة “في عيون العاصفة” اليوم أكثر من مجرد استدعاء عنوان؛ إنها استدعاء لمنهج يقوم على أن الكتابة في زمن الأزمات ليست صراخا بل رؤية أعمق، وأن الدفاع الحقيقي يكون ببناء الحجة، وأن أخطر ما في العاصفة ليس ما تدمره في الخارج، بل ما تربكه في الداخل من وعي ومعايير.
بعد هذه السنين هل تغيرت الأيديولوجيا العربية أم مازالت في ذات الإطار؟
من هنا تأتي هذه السلسلة محاولة للكتابة من الموقع ذاته من خلال وصف الأحداث وتفكيكها فالعاصفة أيا كان شكلها لا تختبر قوة الدول وحدها فحسب بل تختبر كذلك صدق الخطاب وصلابة الوعي وقدرة المثقف على أن يكون شاهدا وضميرا حيا لا صدى لردة فعل متعجلة.


مقالات الكاتب د. أحمد قران الزهراني

https://www.makkahnews.sa/author/qeran123

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى