المقالات

حرب الحقائق والمتناقضات

عندما أُشعل فتيل الحرب في منطقة الخليج، أفرزت كيمياء الحقيقة حزمة من المتناقضات، وما تخفيه الصدور والاضبارات، وأصبح لزامًا علينا أن نتكيف نفسيًا واجتماعيًا مع ما لم يألفه السمع والبصر، بل أحيانًا ما تنكره القناعة وينفر منه المنطق.

لقد اشتعلت حروب ونزاعات هنا وهناك على جغرافيا الكوكب، ثم وضعت أوزارها وخبت جذوتها، ولم نسمع أو نرَ مثل إفرازات هذه الحرب من متغيرات. فهل كان لموقع رحى الحرب دور في ذلك؟ أم لطبيعة الأطراف الأيديولوجية المتحاربة التي تنتمي إلى (الإبراهيمية) المزعومة؟ لا نملك اليقين بأي من تلك الفرضيات، لكنها تعكس جانبًا من الحقيقة، فيما نثق بمدخلاتنا السمعية والبصرية.

شاهدنا رئيس دولة يكذب علنًا أمام وسائل الإعلام، وكنا نظن أن الرؤساء لا يكذبون علنًا. وسمعنا خطابات وتصريحات تُتلى لقائد دولة لم يظهر إلى العلن، وكأن لا وجود له، ويُزعم أن الحرب تسير وفق توجيهاته، ولم نسمع بمثل ذلك حتى في أساطير الأولين.

وشاهدنا دولة تتفاوض مع دولة أخرى، لا تعلم الثانية عن تلك المفاوضات، وندرك أن هذا النوع من التفاوض ذو الطرف الواحد لا يتم إلا مع الذات. وشاهدنا دولة تدّعي حسن الجوار مع جاراتها، وتمطرهم في الوقت ذاته بالصواريخ والمسيرات. وشاهدنا دولة يحارب نصفها، وينكر نصفها الآخر أنها تحارب. وشاهدنا سفيرًا تطرده الدولة المعين فيها ويرفض المغادرة رغم أنفها. وشاهدنا دولة يحارب شعبها مع عدوها رغم إرادة الدولة. وشاهدنا دولة تبحث عن دور بعد أن أصبحت في هامش الاهتمام.

وشاهدنا وحدة الثقافة والسياسة والجغرافيا بين دول الخليج تغتال كل الخلافات بينها، وشاهدنا الوجه الحقيقي لبعض الدول بعد أن أسقطت هذه الحرب الأقنعة. وشاهدنا تجسيدًا واضحًا للمثل: (اتق شر من أحسنت إليه). كما شاهدنا تأثير بعض الدول في اغتيال موضوعية وحصانة المنظمات المستضافة لديها.

وشاهدنا انهيار أي محاولة للتنبؤ بمسار الأحداث لدى المتابع لرحى الحرب عقب أي تصريح لقادة الحرب، نظرًا لتناقضها. ورأينا حكمة الدول الخليجية مقابل صلف الملالي، الذي لم ينتج إلا إنهاكًا لمخزون أسلحتها.

وضعت بعض الدول إيران في كفة، ودول الخليج في الكفة الأخرى، وأبقتها متأرجحة إلى أن تضع الحرب أوزارها لتقرر مع من تكون. وقد أعادت لنا هذه الحرب مناخ العروبة السياسي عقب غزو العراق للكويت، لكن الثابت اليوم أن الثمن الخليجي لم يكن مقدمًا، بل سيكون لاحقًا بعد أن تضع الحرب أوزارها.

هزمت هذه الحرب الوفاء العربي، وأصبحت قائمة أعداء الخليج كقائمة أسعار النفط.

واعتمرَتنا القناعة أن دولار النفط العالمي هو القادر على إشعال الحروب واختطاف الدول ورؤسائها، وليس السياسة. وأصبحت الأحزاب والكتل السياسية والمكونات الأيديولوجية والصحافة تقدم نفسها كلاعب في مطبخ القرارات الحربية.

ورأينا أن إشعال الحروب أسهل من الخروج منها، سواء برفع علم النصر أو العلم الأبيض. ولا نشك في أن الحرب ستنتهي، وسترضخ إيران للموافقة على كل الشروط والمتطلبات الدولية التي كانت ترفضها قبل الحرب، ولكن بعد أن بددت خزائن أسلحتها في سماء الدفاعات.

والأيام القادمة حبلى بمفاجآت الحقائق والمتناقضات

—————-

مقالات الكاتب د. جمعان بن رقوش
https://www.makkahnews.sa/author/binrugooah

حرب الحقائق والمتناقضات تعكس صراع الروايات والتضليل الإعلامي
الحروب تكشف تناقضات الخطاب السياسي والإعلامي

د. جمعان بن رقوش

رئيس جامعة نايف للعلوم الأمنية سابقًا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى