يأتي رحيل الروائي والقاص السعودي أحمد أبو دهمان ضمن موجة مؤلمة من رحيل الأدباء الجميلين الذين شكّلوا وجدان السرد العربي بهدوء ومن دون ضجيج إعلامي، أولئك الذين كتبوا الأدب بوصفه فعل حياة وذاكرة لا مشروع شهرة أو حضور عابر. وبرحيله، لا تفقد الساحة الثقافية اسمًا إبداعيًا فحسب، بل تفقد نموذجًا نادرًا للكاتب الصادق مع لغته ومكانه وإنسانيته.
وُلد أبو دهمان في قرى الجنوب السعودي، وتحديدًا في محافظة سراة عبيدة، حيث تشكّلت ملامح وعيه الأول، وحيث ظل المكان حاضرًا في كتابته بوصفه ذاكرة حيّة لا مجرد خلفية سردية. وحين انتقل للإقامة في باريس، لم ينفصل عن جذوره، بل حملها معه، وأعاد تقديمها بلغة أخرى، وبحسّ إنساني مكّن القارئ الغربي من الاقتراب من تفاصيل القرية السعودية وحياتها اليومية.
مثّلت روايته «الحزام» ذروة هذه التجربة، ليس فقط لكونها كُتبت بالفرنسية، بل لأنها قدّمت سردًا صادقًا وعميقًا عن الطفولة، والأسرة، والتقاليد، والعلاقات الإنسانية في الريف الجنوبي. وبذلك أصبح أبو دهمان أول كاتب من شبه الجزيرة العربية يخاطب القارئ الفرنكفوني بلغته الأم، فاتحًا للأدب السعودي نافذة جديدة على العالم.
وإذا ما أُريد قراءة رحيل أبو دهمان قراءةً منطقية ضمن سياق أوسع، فإن غيابه يعكس تحوّلًا ثقافيًا عميقًا تعيشه الساحة الأدبية اليوم. فالأدباء الجميلون ينتمون إلى زمن الكتابة المتأنية، والبناء الهادئ للنص، والاشتغال العميق على الإنسان والمكان، في مقابل زمن معاصر يفرض إيقاعًا سريعًا، ويُغري بالاختزال والسطحية. ومن هنا، فإن رحيلهم يعني تراجع مرحلة كاملة من القيم الجمالية في الكتابة، لا مجرد غياب أسماء.
كما أن غياب أبو دهمان يسلّط الضوء على ندرة الأصوات القادرة على أداء دور الجسر الثقافي الحقيقي بين السعودية والعالم، لا عبر الخطاب الرسمي، بل عبر الأدب الإنساني الصادق. فقد كان نصه قادرًا على نقل صورة المجتمع المحلي دون تزييف، وفي الوقت ذاته قابلًا للفهم والتفاعل في فضاء ثقافي مختلف.
ومع ذلك، يؤكد المنطق الثقافي أن الأدباء الحقيقيين لا يُقاس حضورهم بحياتهم الزمنية، بل بأثرهم المتراكم بعد الرحيل. وأبو دهمان، بما تركه من نصوص وتجربة فريدة، يظل حاضرًا في الذاكرة الأدبية السعودية والعربية، مثالًا للكاتب الذي تجاوز اللغة والجغرافيا دون أن يفقد هويته.
رحل أحمد أبو دهمان، لكنه رحل ضمن صفّ الأدباء الجميلين الذين لا يختفون برحيلهم، بل يتحولون إلى أثرٍ طويل، وحكايةٍ تُستعاد كلما احتاجت الذاكرة إلى نص صادق، وكلما بحث القارئ عن أدب يشبه الإنسان






