من تجربتي الشخصية، لم تكن رياضة الأيكيدو مجرّد تدريب بدني أو ممارسة قتالية، بل تحوّلت مع الوقت إلى مساحة لإعادة ترتيب السلوك والفكر. فهي رياضة تُعلّمك كيف تقف بثبات، لا لتهاجم، بل لتفهم، وكيف تواجه، لا لتغلب، بل لتحافظ على توازنك واحترامك للآخر.
تنطلق الأيكيدو من فلسفة يابانية عميقة تقوم على احتواء قوة الخصم لا كسرها، وعلى ضبط النفس قبل استخدام القوة. هذا المفهوم، حين يُمارس بصدق، يتجاوز حدود قاعة التدريب ليؤثر في تفاصيل الحياة اليومية؛ في طريقة التعامل مع الخلاف، وفي أسلوب اتخاذ القرار، وحتى في إدارة الضغوط والانفعالات.
اللافت أن هذه الفلسفة اليابانية وجدت انسجامًا طبيعيًا مع القيم السعودية الأصيلة القائمة على الاحترام، والانضباط، والالتزام الأخلاقي. وهو ما جعل الأيكيدو أكثر من مجرد رياضة وافدة، بل ممارسة منسجمة مع البيئة الثقافية المحلية. فاحترام الخصم، وتقدير المدرب، والالتزام بالقواعد، قيم مشتركة بين المدرستين اليابانية والسعودية، وإن اختلف السياق الجغرافي.
وخلال مسيرتي في تعلّم الأيكيدو، برز الدور التربوي العميق لكلٍ من الكابتن أسعد المدني والكابتن أنور عطا الله، بوصفهما نموذجين للمدرب الذي لا يكتفي بتعليم الحركة، بل يشرح معناها الأخلاقي ومسؤوليتها. فمن خلال التدريب الواعي، يتعلّم الممارس أن القوة دون أخلاق خطر، وأن المهارة دون التزام قد تتحول إلى عبء، وهو درس يتجاوز حدود الرياضة ليصل إلى جوهر الحياة اليومية.
برأيي، تكمن قوة الأيكيدو الحقيقية في قدرتها على إعادة تعريف مفهوم الانتصار. فالانتصار هنا ليس في إسقاط الخصم، بل في كسب النفس، وليس في إثبات القوة، بل في إثبات الاتزان. ومع الاستمرار في الممارسة، يصبح الهدوء عادة، والاحترام منهجًا، والانضباط أسلوب حياة.
وفي زمن تتسارع فيه الإيقاعات وتزداد فيه أشكال العنف اللفظي والسلوكي، تبدو الأيكيدو كرياضة ذات بعد إنساني عميق، قادرة على الإسهام في بناء أفراد أكثر وعيًا، ومجتمع أكثر توازنًا. ومن هذا المنطلق، أرى أن مستقبل الأيكيدو لا يُقاس بعدد البطولات أو الميداليات، بل بعدد القيم التي تزرعها في ممارسيها.
ومن إيماني بهذه الفلسفة، أؤمن اليوم بأن الأيكيدو ليست مرحلة عابرة، بل أسلوب حياة، وأسعى – بإذن الله – إلى مواصلة مسيرتي فيها، مستندًا إلى ما تعلّمته من معاني الصبر، والاتزان، واحترام الآخر






