المقالات

فانظر ماذا ترى

بدأت رحلتي في هذه الحديقة الغنّاء، وبدأت أشم رحيقها وأتنعم في أرجائها وبين جنباتها، وكلما تعمقت وغصت بداخلها، يبهرني جمالها وإبداعها وتفرّدها وامتزاج ألوانها. هكذا رأيت حديقتي وعشتها في قصة سيدنا إبراهيم الخليل وتعاملِه مع ابنه إسماعيل عليهما السلام.

إنها حديقة تربوية نبوية تنوّعت بها الأساليب، فازدانت عريشتها بأسلوب اللطف والرحمة، الذي امتزج بالمصاحبة والمعايشة، وقد فُرشت ممراتها بالتمهيد والرضا والطمأنينة، يتخللها ضبطٌ انفعالي لذلك الأمر الجلل. وقد ترنّمت العصافير بذلك الإعلام والشورى بينهما، وهنا تمعّنت في حسن المقال وعِظم المقام، فالأمر أمرُ الله سبحانه، وتلك المشورة لمن حَسُن ظنه بربه ثم بفلذة كبده ولده إسماعيل عليه السلام. فمن حُسن صلاح الابن شاورناه، ليشارك الأجر والتسليم، ووطّنّاه على الصبر والثبات على الإيمان بالقضاء والقدر. ومن بين تلك الأساليب، تأتي مشيئة الله فوق كل شيء والردّ الجميل:
(ستجدني إن شاء الله من الصابرين).

ولم أنتهِ من تلك الحديقة إلا وأنا أطير فرحًا، فقد كان رفع القضاء بجميل التسليم:
(فلما أسلما وتله للجبين)، صدر الأمر الإلهي بالفداء جزاء صبرهما والانقياد طاعةً لله سبحانه:
(وفديناه بذبح عظيم وتركنا عليه في الآخرين).

وهنا بيت القصيد والشاهد من القصص الرباني في كتابه العزيز، والسؤال الذي لا بد منه:
ألا نحتاج لتلك الحديقة في بيوتنا ومع أسرتنا، صغيرها وكبيرها؟
ألا نحتاج لتلك الملاطفة والرحمة معهم؟
ألا نحتاج لضبط انفعالاتنا أمامهم؟
وبالتأكيد نحتاج إلى حسن الظن بمن اجتهدنا في تربيتهم.

أليس هم من شاركونا في الطاعة والتسليم، وتعايشوا معنا في تقلبات الحياة حلوها ومرّها؟ أفلا نشاركهم بالمصاحبة والمشورة؟

ولنجعل مبدأنا في حياتنا أن صون المحبة لا يأتي إلا بترنّم الود، وملاطفة الحوار، وأمرهم شورى بينهم، لنصنع أجيالًا تعيش الحياة المعاصرة واقعًا بلا تكلّف، ليعمّ الاحترام بين كبيرنا وصغيرنا سنًّا ومقامًا. ولنجعل من القصص القرآني نبراسًا ينير حياتنا، حتى نلقى الله تعالى وقد أدّينا الأمانة في تربية أبنائنا وبناتنا على الوجه الذي يرضيه عنا. وفي ذلك ضمانة لتماسك الأسر، وتخفيف من أعباء قضايانا والمحاكم الأسرية، التي تزايدت ملفات قضاياها بمشكلات الأسرة وتفككها بمنازعات، يكون ضحاياها من نعول من الأطفال وإن كبروا؛ إذ لا يتساوى الأطفال الذين نشؤوا في أسر مفككة تعجّها المشكلات بمن تربّوا في أسر متماسكة يعمّها الودّ والرحمة وطيب العيش.

• كاتبة ومستشارة أسرية وتربوية
• باحثة في أسماء الله الحسنى وأعمال القلوب

‫3 تعليقات

  1. بارك الله فيك وفي بوحك وقلمك متميزة متفردة نفع الله بك وبعلمك ورفع الله قدرك أخيتي وجن

  2. مقال في غاية الأناقة والجمال
    ونحن فعلاً في حاجة ماسة الى مثل هذه التوصيات
    للوصول الى البيوت الآمنة المطمئنة في مجتمعنا مع ابنائنا
    سلمت يداك ودام قلمك 🍃

  3. كم نحن بحاجة لأن نعيد ترتيب امورنا وافكارنا ومشاعرنا بما يقتضيه التسليم الكامل لقضاء الله وقدره حينما قرأت المقال قادتني افكاري نحو ضعف مشاعرنا في عدد من الأحداث التي تقدر علينا ويمتلكنا الحزن وتختلط مشاعرنا ولو فكرتا للحظة أن الله سبحانه وتعالى له الحكمة البالغة في كل أمر أو قضاء قدره لنا والحمد لله على كل حال
    وماهذه القصص و التذكير بها ويردها إلا جرس تنبيه لتغير اسلوبنا وتعاملاتنا مع بعض المواقف وطرق التربية والإقتداء بهم صلوات الله عليهم في طرق التعامل مع ابناءنا وتعليمهم التسليم الكامل لأوامر الله …شكرا من القلب على هذا المقال

اترك رداً على د.وجنات الثقفي إلغاء الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى