المقالات

جامعة بلا عقل

يواجه التعليم الجامعي في العالم العربي أزمةً بنيويةً عميقة لا يمكن اختزالها في ضعف التمويل أو قصور البنية التحتية، بل تمتد إلى جوهر الفلسفة التي يقوم عليها التعليم ذاته. فقد انحرفت الجامعة، في كثير من نماذجها، عن دورها التاريخي بوصفها مؤسسة لإنتاج المعرفة وتكوين العقل النقدي، لتتحول إلى فضاءٍ لتكديس المعلومات وإعادة إنتاج أنماط التفكير السائدة دون مساءلة أو تفكيك.

يقوم النموذج التعليمي الغالب على الحفظ والاستظهار، ويُعلي من قيمة الامتثال على حساب السؤال، ما يخلق فجوة معرفية واضحة بين امتلاك المعلومة وفهمها. وبدل أن يكون الطالب شريكًا في إنتاج المعرفة، يُختزل في متلقٍّ سلبي، تُقاس كفاءته بقدرته على الاسترجاع لا على التحليل. وينتج عن ذلك تخريج أجيال تحمل شهادات أكاديمية دون امتلاك حقيقي لمهارات التفكير النقدي أو الاستقلال المعرفي، فيغدو التعليم إجراءً شكليًا منزوع الأثر التربوي.

وتتعمق هذه الأزمة حين تتقاطع الجامعة مع بيئة ثقافية وإعلامية تميل إلى التسطيح والاستهلاك السريع للمعرفة، فتضعف ثقافة الحوار، ويُقصى الاختلاف، وتُعاد إنتاج اليقينيات الجاهزة بدل تفكيكها. وبهذا تفقد الجامعة دورها التنويري، وتتحول من فضاءٍ للنقاش الحر إلى مؤسسة ضبط معرفي تعيد إنتاج السائد بدل نقده.

كما يسهم الفصل بين التعليم التقني والعلوم الإنسانية والفلسفية في تكوين عقلٍ وظيفيٍّ محدود، يجيد أداء المهمة لكنه يعجز عن مساءلة الغاية والمعنى. إن إصلاح التعليم الجامعي لا يتحقق بتحديث المناهج والأدوات فحسب، بل يتطلب إعادة بناء فلسفة التعليم على أساس يجعل التفكير النقدي جوهر العملية التعليمية، ويعيد للجامعة دورها بوصفها مُنشئة للعقول لا مستودعًا للمعلومات، وقاطرةً لنهضة معرفية وحضارية حقيقية

أ. د. عائض محمد الزهراني

نائب الرئيس لإتحاد الأكاديميين والعلماء العرب

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى