رحم الله والدي حسن محمد أمين التركستاني،
أحد أبناء مكة المكرمة، الذي عاش فيها عمرَه، ثم رحل عنها إلى جوار ربه، تاركًا أثرًا لا يُقاس بالشهرة، بل بما خلفه من صدقٍ وصبرٍ وعطاءٍ.
رحلتَ عن دنيانا يا أبي، لكنك لم ترحل عن قلوبنا، فقد تركتَ فينا أثرًا لا يُمحى، وغرستَ في نفوسنا قيمًا ستبقى ما حيينا، لم تكن مشهورًا في الدنيا، ولم يعرفك الناس إلا في حدود عملك وبيتك، لكننا نرجو —بل نوقن— أن يكون لك عند الله شأنٌ عظيمٌ.
كنتَ يتيمَ الأب، لا إخوةَ لك، واجهتَ الحياة وحدك، وصارعتَها بقلبٍ صلبٍ، وعزيمةٍ لا تلين، لم تيأس، ولم تمل، ولم تنكسر، بل حاربتَ الدنيا لأجلنا، وقدمتَ لنا عمرك وجهدك دون شكوى أو تذمر، فكنتَ لنا أبًا وسندًا ومعلمًا قبل كل شيءٍ.
علَّمتَنا أن العلمَ طريقُ النجاة، فحرصتَ على تعليمنا، وسهرتَ لأجلنا، وبذلتَ من عمرك حتى من الله علينا، أنا وإخوتي، بأن نصل إلى أعلى الشهادات، لم يكن همك شهادةً تُعلق، بل إنسانًا يُربى، وقيمًا تُغرس، وأمانةً تُؤدى.
وغَرستَ فينا حبَّ القرآن، وحفظَه، وتعظيمَه، فكان القرآنُ رفيقَ طفولتنا، ونورَ دربنا، وبركةَ بيوتنا، وما زلنا نحمدُ الله أن جعلنا أبناءَ رجلٍ قدّم كتابَ الله في سلم أولوياته قبل كل شيءٍ.
أفنيتَ حياتك في خدمةِ التعليم، إداريًا وتربويًا، في مدرسة البراء بن مالك الابتدائية ومدرسة عمورية الابتدائية، فكنتَ مثالًا للأمانةِ والانضباطِ والإخلاص، وبقي أثرُك شاهدًا عليك في أجيالٍ درستْ وتعلمتْ.
ثم جاء الابتلاءُ العظيم…
ثلاثَ عشرةَ سنةً من الصبر، بدأتْ بجلطةٍ في الدماغ، تبعها بترُ نصفِ قدمك اليسرى، ثم بترُ أصابعِ قدمك اليمنى، ثم شللٌ كاملٌ أقعدك ومنعك عن الحركة، ومع ذلك، لم تُقعد إيمانَك، ولم تُطفئ روحَك، ولم تُسكت ذكرَك، كنتَ صابرًا، راضيًا، محتسبًا، لا تجزعَ ولا تسخط، فكنتَ درسًا حيًّا لنا في الرضا بقضاءِ الله وحسنِ الظن به.
رأيناك تؤدي الصلاةَ بالحركات، تحافظُ عليها حتى آخرِ يومٍ في حياتك، لم تفُتك صلاة، ولم ينقطع ذكرُك، وكنتَ تؤذن للصلاة بصوتك الجهور وأنت على سريرك، تملأ المكانَ تكبيرًا وتسبيحًا، تذكرُ الله ليلَ نهار، وكأنك تتهيأ للقاءٍ تحبّه.
وكانت آخرُ كلماتك في هذه الدنيا:
يا الله… يا الله… الله أكبر… ولا حولَ ولا قوةَ إلا بالله
ثم فقدتَ الوعي، وبدأ فراقُ الجسد، وبقي حضورُك في أرواحنا.
رحمك الله يا أبي،
نرجو أن تكون عظمتُك عند الله أعظمَ من خفائك في الدنيا،
وأن يكون صبرُك ورضاك وعدمُ تجزعك شفاعةً لك، ورفعةً في درجاتك.
ولم يكن أبي في رحلة المرض وحده، فقد كانت والدتي إنشراح أحمد فلمبان —حفظها الله— شريكته في الصبر والاحتساب، كافحت معه، وسهرت على راحته، واعتنت به في ضعفه كما اعتنى بنا في صغرنا، صبرت ثلاثة عشر عامًا دون ملل ولا شكوى، محتسبة الأجر عند الله، فجزاها الله خير الجزاء، وحفظها لنا، وربط على قلبها، وجعل ما قدمته في ميزان حسناتها، وأمدها بالقوة والسكينة بعد فراقه.
ولا يفوتنا في هذا المقام أن نذكر أختنا إهداء، التي ضربت أروع صور البر والتضحية، حين تخلت عن جميع ملذات الحياة، وعن الوظيفة، وعن راحتها، لتكون في خدمة والدينا، ترافقهما ليلًا ونهارًا، تعتني بهما، وترعى شؤونهما، وتقدم البر بالفعل لا بالقول، محتسبةً الأجر عند الله.
فجزاها الله خير الجزاء، وكتب أجرها، ورفع قدرها، وجعل ما قدمته وتقدمه نورًا في ميزان حسناتها.
ولم يكن البر حكرًا على أحد، بل شارك فيه جميع إخوتي، كلٌّ بما يسَّره الله له وبما سمحت به ظروفه، فكان أخي الدكتور أحمد حاضرًا بعلمه وخبرته الطبية، يسعى ويطمئن ويتابع، وبسخاءٍ مادي ومعنوي، وكانت أختي إباء لا تفتر عن السؤال والدعاء، تسبقنا بقلبها وحرصها، وأسهمت أختي ارتقاء بتأمينها الطبي بحكم عملها في القدية، فكانت سببًا بعد الله في تيسير كثير من الأمور.
وكلهم كانوا أهل برٍّ ووفاء، نحتسب لهم الأجر عند الله، ونسأل الله أن يتقبَّل منهم.
وأما أنا، فأشهد الله أنني كنت أقلهم، ومقصرًا في حق والدي، أسأل الله أن يغفر لي تقصيري، وأن يجعل ما قدمته خالصًا لوجهه، وأن يعوضني بالبر به دعاءً ووفاءً بعد موته.
رحمك الله يا والدي،
سنذكرك في دعائنا ما حيينا،
وستبقى حيًّا فينا… ما بقي الأثر.
اللهم لا تفتنا بعده،
اللهم آنس وحشتَه في قبره، ووسع مدخلَه، ونور قبره،
اللهم اجعل قبرَه روضةً من رياض الجنة،
اللهم اجزه عنا وعن التعليم خيرَ الجزاء،
اللهم ارفعْه في عليّين، واجعل الفردوسَ الأعلى مستقرَّه،
واجمعنا به غيرَ خزايا ولا مفتونين.
• مساعد مدير مكتب رئيس جامعة أم القرى
