هل غادرت العلاقات العامة المشهد؟
تحوّل الوظيفة الاتصالية وتعدّد الأدوار المهنية في ظل الاتصال المؤسسي ورؤية السعودية 2030
في خضم التحولات المتسارعة التي يشهدها قطاع الإعلام والاتصال، لم تعد العلاقات العامة وظيفة تقليدية محصورة في تنظيم الفعاليات أو صياغة البيانات الصحفية، بل تحوّلت إلى أحد الأعمدة الاستراتيجية في بناء الصورة الذهنية وصناعة السمعة المؤسسية وإدارة العلاقة مع الجمهور. ومع تصاعد الإعلام الرقمي وتنامي حضور الاتصال المؤسسي، يبرز تساؤل مشروع: هل تراجع مفهوم العلاقات العامة، أم أنه أعاد تعريف نفسه وفق معطيات العصر؟
الواقع المهني يشير بوضوح إلى أن العلاقات العامة لم تختفِ، بل تطوّرت أدواتها واتسعت مساحاتها الوظيفية. فالإعلام الرقمي، بمنصاته التفاعلية وسرعة تأثيره، لم يلغِ دور العلاقات العامة، بل أعاد تشكيله، ناقلًا إياه من نمط الاتصال الأحادي إلى تواصل قائم على الحوار، والاستماع، والتحليل، والتفاعل المباشر. وأصبح ممارس العلاقات العامة مطالبًا اليوم بإدارة النقاش العام، وتحليل اتجاهات الرأي، وفهم سلوك الجمهور الرقمي، إلى جانب صياغة الرسائل الاتصالية.
وفي هذا الإطار، برز الاتصال المؤسسي بوصفه الإطار الأشمل الذي ينظّم الرسائل، ويوحّد الخطاب، ويربط الاتصال بالأهداف الاستراتيجية للمؤسسة. ولم يكن الاتصال المؤسسي بديلًا عن العلاقات العامة، بل مظلة مهنية أعادت تموضعها ضمن منظومة متكاملة تشمل الإعلام، والاتصال الداخلي، وإدارة السمعة، والتواصل مع أصحاب المصلحة. وبهذا التحول، انتقلت العلاقات العامة من وظيفة تنفيذية إلى شريك فاعل في صناعة القرار.
ومع انطلاق رؤية المملكة العربية السعودية 2030، اتسعت الحاجة إلى أدوار جديدة للعلاقات العامة، فرضتها متطلبات الشفافية، والتحول الرقمي، وتمكين القطاعات غير الربحية، وتنامي المشاريع الوطنية الكبرى. فظهرت وظائف مثل إدارة السمعة الرقمية، والتواصل الحكومي، والاتصال في الأزمات، والعلاقات الدولية، والدبلوماسية المؤسسية، وإدارة المحتوى الاستراتيجي، وهي أدوار تعكس تطور المهنة وتعدد مساراتها، لا تراجعها.
أما طلبة العلاقات العامة والإعلام، فأصبحوا أمام مشهد مهني أكثر تعقيدًا وتنافسية. ولم يعد التأهيل الأكاديمي التقليدي كافيًا دون امتلاك مهارات حديثة تشمل التفكير الاستراتيجي، وتحليل البيانات الرقمية، وإدارة المنصات الاجتماعية، وإنتاج المحتوى متعدد الوسائط، إضافة إلى فهم الاتصال الداخلي وبناء الثقافة المؤسسية. كما باتت القدرة على قراءة السياق التنموي والاقتصادي، والعمل ضمن فرق متعددة التخصصات، شرطًا أساسيًا للنجاح المهني.
إن الحديث عن أفول العلاقات العامة هو في جوهره قراءة سطحية للتحول العميق الذي تشهده المهنة. فما تراجع هو النموذج التقليدي للعلاقات العامة، لا جوهرها ولا أهميتها. أما العلاقات العامة في صيغتها الحديثة، فهي أكثر حضورًا وتأثيرًا، لكنها تعمل اليوم بأدوات رقمية، وعقلية تحليلية، وموقع استراتيجي متقدم داخل المؤسسات.
وفي ظل رؤية 2030، لم تعد العلاقات العامة خيارًا تنظيميًا أو دورًا هامشيًا، بل أصبحت ضرورة استراتيجية لضمان استدامة المؤسسات، وتعزيز ثقة الجمهور، وبناء سمعة وطنية ومؤسسية قادرة على مواكبة التحولات. وهكذا، لم تغادر العلاقات العامة المشهد، بل أعادت رسم حدودها، وانتقلت من الهامش إلى المركز، ومن التنفيذ إلى التخطيط، ومن الرسالة إلى التواصل المؤسسي الشامل






