المقالات

سعيد السريحي… سيرة ناقدٍ عاش للفكرة ورحل تاركًا الأثر

حين يرحل الكبار، لا يرحلون وحدهم؛ ينسحب معهم جزء من زمنٍ كان أكثر صفاءً في اللغة، وأكثر جرأة في الرؤية، وأكثر صدقًا في المواجهة. هكذا كان رحيل الأديب والناقد السعودي سعيد السريحي؛ رحيل صوتٍ لم يكن عابرًا في المشهد الثقافي، بل كان أحد الأصوات التي أعادت ترتيب العلاقة بين النص والحياة، وبين الحداثة والوعي، وبين الكاتب ومسؤوليته تجاه مجتمعه.

لم يكن السريحي مجرد كاتبٍ يدوّن أفكاره، بل كان مشروعًا فكريًا يمشي على قدمين. منذ بداياته المبكرة في العمل الثقافي، انحاز إلى السؤال، إلى النص الجديد، إلى الرؤية التي ترى الأدب فعلًا حيًا لا محفوظًا جامدًا. اشتغل على النص بوصفه كائنًا متحركًا، تتغير دلالاته بتغير السياقات، وتتشكل قراءاته بقدر ما نملك من أدوات معرفية.

السريحي والحداثة… انحياز للوعي لا للضجيج

ارتبط اسم سعيد السريحي بمسار الحداثة في الأدب السعودي والعربي، لكنه لم يتعامل معها كشعار أو قطيعة شكلية، بل بوصفها تحولًا في طريقة التفكير. كان يرى أن الحداثة ليست تمردًا أجوف على الماضي، بل مساءلة واعية له، واستنطاقًا له في ضوء الحاضر.

في قراءاته النقدية، خصوصًا في اشتغاله على النص الشعري، لم يكن يبحث عن الزخرفة أو الإثارة، بل عن البنية العميقة، عن حركة اللغة، عن الفردية الخلّاقة التي تميز الشاعر عن سواه. كان يؤمن أن الإبداع الحقيقي هو القدرة على تجاوز الأطر الجاهزة، وأن النص لا يُختزل في قوالب ثابتة، بل يُقرأ في سياقه الثقافي والتاريخي والإنساني.

ولهذا، جاءت دراساته وكتاباته منفتحة على المناهج النقدية الحديثة، متفاعلة مع التحولات الفكرية، دون أن تفقد صلتها بخصوصية البيئة العربية. لقد كان أحد الذين نقلوا النقاش النقدي من مستوى الانطباع إلى مستوى التحليل، ومن التلقي السلبي إلى القراءة الواعية.

الأستاذ الذي علّمنا كيف نفكر

لم يكن السريحي ناقدًا فحسب، بل كان أستاذًا بالمعنى العميق للكلمة. أستاذًا لا يلقّن، بل يوقظ. لا يمنحك الإجابة، بل يدفعك إلى السؤال. كثيرون ممن تتلمذوا على فكره أو حضروا ندواته ومحاضراته، يتذكرونه بوصفه معلمًا للوعي قبل أن يكون معلمًا للنص.

كان يؤمن باستقلالية الإنسان وحرية المبدع، وبأن الثقافة لا تنمو في بيئة الخوف، بل في فضاء الحوار. لهذا ظل حضوره في الندوات والمجالس الثقافية حضورًا فاعلًا، لا يكتفي بالمجاملة، بل يمارس النقد بوصفه مسؤولية أخلاقية.

بالنسبة لي، لم يكن سعيد السريحي اسمًا في كتاب، بل كان أحد أساتذتي في الوعي. تعلّمت من كتاباته أن اللغة ليست أداةً فحسب، بل موقف. وأن الحداثة ليست خروجًا على التراث، بل قراءة جديدة له. وأن الكاتب الحقيقي هو من يتحمل عبء الفكرة حتى النهاية.

أثر لا يغيب

قد يغيب الجسد، لكن الأثر يبقى. تبقى الكتب، تبقى المقالات، تبقى الأفكار التي زرعها في عقول أجيال كاملة. يبقى النقاش الذي أثاره، والجرأة التي جسدها، والاتساع الذي فتحه أمام النص العربي ليعانق آفاقًا أرحب.

رحل سعيد السريحي، لكن النور الذي كان يمشي معه لم ينطفئ. سيظل حاضرًا في كل نص يُقرأ بوعي، في كل قارئ يجرؤ على السؤال، في كل أديب يبحث عن صوته الخاص خارج الأقواس.

رحم الله الأديب والناقد سعيد السريحي، وجعل ما قدّم في ميزان حسناته، وألهم الوسط الثقافي الصبر على فَقْدِ أحد أعمدته. لقد رحل صوت الأدب… لكن الحياة ما زالت تمشي على خطاه

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى