مثلت معركة ذي قار أول لحظة حاسمة في كسر الهيبة الفارسية، إذ أثبت العرب رغم تفرقهم القبلي قدرتهم على مواجهة قوة إمبراطورية منظمة ومتماسكة وتمتلك جيشا كبيرا ومنظما والانتصار عليها.
لم تكن ذي قار مجرد واقعة عسكرية محدودة، إنما كانت إعلانا مبكرا بأن التفوق الفارسي ليس قدرا تاريخيا مستمرا وأنّ العرب قادرون على قلب موازين القوة حين تتوفر الإرادة،
غير أن التحول الحقيقي جاء مع معركة القادسية، حيث انتقل العرب من كسر الهيبة إلى إسقاط الدولة نفسها، ففي هذه المعركة لم يواجه العرب جيشا فحسب وإنما واجهوا منظومة إمبراطورية مترسخة واستطاعوا رغم الإمكانات القليلة أن يهزموا الفرس هزيمة حاسمة أنهت وجودهم السياسي، حيث تحول الفرس من قوة مهيمنة على المنطقة إلى شعب خاضع لسلطة الدولة العربية الإسلامية، وانتقلت القيادة السياسية والعسكرية من المركز الفارسي إلى العرب الذين أعادوا تشكيل الجغرافيا والسياسة والاقتصاد والاتجاه الثقافي والديني والفكري وفق منظومة جديدة في الحكم والإدارة، وهذا التحول لم يكن جزئيا إنما كان انقلابا تاريخيا نقل العرب من هامش التاريخ إلى مركزه وجعل الدولة الفارسية نفسها جزءا من فضاء تقوده دولة عربية صاعدة.
ومن هنا فإن الربط بين ذي قار والقادسية ليس مجرد تسلسل زمني وإنما مسار متكامل يبدأ بكسر التفوق الفارسي وينتهي بإسقاطه الكامل على يد العرب.
ومع مرور الزمن لم تدفن تلك الهزيمة في سياقها التاريخي بل بقيت حاضرة في الوعي الجمعي لبعض التيارات الفارسية يتم استعادتها بوصفها لحظة إذلال على يد العرب، حيث أسهم هذا الاستحضار في تغذية نزعة عدائية لدى بعض المثقفين والخطابات القومية الفارسية، ويعاد تفسير العلاقة مع العرب من منطلق ثأري رمزي، ومع تطور هذا الخطاب وتغوله في الذاكرة الفارسية تلبست هذه العدائية لباس الدين وجرى تأطيرها ضمن صراع مذهبي متخيّل بين السنة والشيعة، بما يمنحها غطاء عقديا يضفي عليها شرعية ظاهرية، ويتقاطع ذلك أحيانا مع خطاب سياسي يوظف هذا الإرث لتعزيز موقف متوتر يستبطن خصومة تاريخية لم تغلق صفحاتها حتى الآن.
زر الذهاب إلى الأعلى