لم يعد الأمن الوطني في عصر التحول الرقمي مفهومًا محصورًا في حدوده التقليدية المرتبطة بالقوة الصلبة أو القدرات العسكرية والأمنية المباشرة، بل اتسع ليشمل أبعادًا جديدة أكثر عمقًا وتأثيرًا، من أبرزها الأمن الوطني الناعم، الذي يقوم على حماية القيم، وتعزيز الهوية، وبناء الوعي المجتمعي القادر على مواجهة التحديات غير المرئية في الفضاء المفتوح. وفي هذا السياق، تبرز الثقافة الرقمية كإحدى أهم أدوات هذا النوع من الأمن، لما لها من تأثير مباشر في تشكيل الوعي، وتوجيه السلوك، وصناعة الانتماء.
لقد تحوّل الفضاء الرقمي من مجرد وسيلة تقنية إلى بيئة متكاملة لإنتاج الأفكار وتداول القيم وصياغة التصورات. فالأفراد اليوم لا يستهلكون المحتوى فحسب، بل يعيدون إنتاجه والتفاعل معه والتأثر به، ما يجعل الثقافة الرقمية عاملًا حاسمًا في إعادة تشكيل أنماط التفكير، خاصة لدى الأجيال الشابة التي تشكّل المنصات الرقمية جزءًا أساسيًا من حياتها اليومية.
وتُفهم الثقافة الرقمية هنا بوصفها منظومة شاملة تتجاوز المهارات التقنية، لتشمل الوعي النقدي، والسلوك الأخلاقي، والمسؤولية الاجتماعية في استخدام التقنية. فهي الإطار الذي يحدد كيف يتعامل الفرد مع المعلومات، وكيف يقيّم المحتوى، وكيف يمارس حريته الرقمية دون أن تتحول هذه الحرية إلى أداة تهديد للذات أو للمجتمع.
وقد أسهمت الثقافة الرقمية في تحقيق مكاسب كبيرة على مستوى التعليم والتواصل والانفتاح المعرفي، حيث أتاحت الوصول السريع إلى المعرفة، ووسّعت فرص التعلم المستمر، وربطت المجتمعات عبر الحدود الجغرافية والثقافية. كما مكّنت الأفراد من المشاركة المجتمعية، والتفاعل مع القضايا العامة، وأسهمت في نشر التراث الوطني واللغة والهوية بأساليب حديثة تتناسب مع طبيعة العصر الرقمي.
غير أن هذا الانفتاح الواسع لم يخلُ من تحديات معقدة. فالتدفق غير المسبوق للمحتوى العابر للحدود، وهيمنة بعض المنصات العالمية، وانتشار المعلومات المضللة والخطابات السلبية، كلها عوامل جعلت الفضاء الرقمي ساحة محتملة للاستهداف القيمي والفكري. كما أن غياب الوعي الرقمي الكافي قد يؤدي إلى تآكل تدريجي في منظومة القيم، أو إلى ارتباك في الهوية، خاصة في ظل ما تفرضه الخوارزميات من أنماط استهلاك معرفي موجّهة قد تعزل الأفراد داخل دوائر فكرية مغلقة.
وهنا تتجلى العلاقة المباشرة بين الثقافة الرقمية والأمن الوطني الناعم. فالمجتمع الذي يفتقر إلى الوعي الرقمي يصبح أكثر عرضة للتأثير، وأكثر هشاشة أمام حملات التضليل، وأقل قدرة على حماية قيمه وهويته. في المقابل، فإن المجتمع الذي يمتلك ثقافة رقمية واعية يكون أكثر مناعة، وأكثر قدرة على التفاعل النقدي، وأكثر ثقة بذاته وانتمائه.
ومن هذا المنطلق، لا يمكن النظر إلى حماية القيم والهوية الوطنية من زاوية المنع أو الرقابة الصارمة، فهذه المقاربات تتعارض مع طبيعة العصر الرقمي، وقد تؤدي إلى نتائج عكسية. البديل الأكثر فاعلية يتمثل في بناء مصدّات ذكية، تقوم على التمكين لا الوصاية، وعلى الوعي لا الإغلاق، وعلى الثقة لا الخوف.
وتشير المصدّات الذكية إلى منظومة متكاملة من الأدوات المعرفية والتربوية والتقنية والتنظيمية، التي تمكّن الأفراد من التمييز بين المحتوى الموثوق والمضلل، وتحمي هويتهم الرقمية، وتعزز السلوك المسؤول في الفضاء الافتراضي. وهي مصدّات تعمل بصمت، لكنها تؤدي دورًا بالغ الأثر في تعزيز المناعة المجتمعية.
ويُعد تعزيز الوعي الرقمي القائم على القيم الوطنية أحد أهم ركائز هذه المصدّات، بحيث يُنظر إلى الأمن السيبراني باعتباره سلوكًا يوميًا مرتبطًا بالمسؤولية الفردية، وليس شأنًا تقنيًا معزولًا. كما تشمل هذه المنظومة تنمية مهارات التفكير النقدي الرقمي، التي تمكّن المستخدم من تحليل المحتوى، وفهم دوافعه، وإدراك تأثير الخوارزميات في تشكيل الرأي العام.
وتلعب الأسرة والمؤسسات التعليمية دورًا محوريًا في هذا السياق، ليس عبر الرقابة المباشرة، بل من خلال الحوار، وبناء الثقة، وتمكين النشء من أدوات الحماية الذاتية في العالم الرقمي. كما يبرز دور الإعلام والمؤسسات الثقافية في تقديم محتوى وطني جذاب، يعكس القيم والهوية بأسلوب معاصر قادر على المنافسة في بيئة رقمية مزدحمة.
ولا يمكن إغفال أهمية توظيف التقنية نفسها في خدمة الأمن الوطني الناعم، من خلال استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي لرصد المحتوى الضار مبكرًا، ودعم الابتكار المحلي في حلول الحماية الرقمية، وبناء منصات وطنية موثوقة للتوعية والتفاعل، بعيدًا عن الخطاب التلقيني أو الوعظي المباشر.
وتنسجم هذه الرؤية بشكل وثيق مع مستهدفات رؤية السعودية 2030، التي تنطلق من إدراك عميق بأن التحول الرقمي الحقيقي لا يتحقق بتطوير البنية التقنية فحسب، بل ببناء الإنسان القادر على استخدام التقنية بوعي ومسؤولية. فالرؤية تركز على تعزيز المواطنة الرقمية، ودعم المحتوى الوطني، وتحسين جودة الحياة، وبناء مجتمع رقمي آمن ومنافس عالميًا، دون التفريط بثوابته الثقافية والقيمية.
إن الاستثمار في الثقافة الرقمية الواعية لم يعد خيارًا ثقافيًا أو تربويًا فقط، بل أصبح أحد أعمدة الأمن الوطني الناعم، وحصانة فكرية تحمي المجتمع من الاستهداف المعلوماتي، والتشويه القيمي، والتفكك الهوياتي. فمجتمع يمتلك وعيًا رقميًا راسخًا هو مجتمع أكثر تماسكًا، وأكثر قدرة على التفاعل مع العالم بثقة، دون أن يفقد بوصلته أو خصوصيته.
وفي عالم مفتوح بلا حدود رقمية، تبقى الثقافة الرقمية الواعية هي خط الدفاع الأول، والجسر الذي يربط بين الانفتاح العالمي والهوية الوطنية، وبين التطور التقني والاستقرار القيمي، وبين الحاضر الرقمي والمستقبل الآمن.
