المقالات

الحرب خدعة… وحرب الوعي أخطر

رئيس التحرير

منذ قرون طويلة، اختصر النبي – صلى الله عليه وسلم- فلسفة الحرب في جملة موجزة أصبحت قاعدة في الفكر العسكري: «الحرب خدعة». وهي عبارة لا تشير إلى الغدر بقدر ما تعني أن المعركة ليست قوة سلاح فحسب، بل هي قبل ذلك حسن تدبير، وذكاء في التخطيط، وقدرة على إرباك الخصم وإخفاء النوايا. ولذلك ظلّ القادة العسكريون عبر التاريخ يدركون أن المفاجأة والمناورة والخداع التكتيكي قد تحسم معارك كاملة قبل أن تُطلق الرصاصة الأولى.

غير أن الحروب في العصر الحديث لم تتوقف عند هذا الحد؛ فقد انتقلت من خداع الميدان إلى إدارة العقول، ومن تكتيك الجيوش إلى تشكيل الإدراك الجماعي. وهنا ظهرت مرحلة جديدة يمكن وصفها بـ حرب الوعي؛ وهي حرب تُدار بالإعلام والصورة والرواية.

في الماضي كان القائد يخفي تحركات جيشه ليباغت العدو، أما اليوم فالدول الكبرى تسعى إلى تشكيل الرواية التي يراها العالم قبل أن تبدأ المعركة. فالحرب الحديثة تبدأ غالبًا بالخبر والتحليل والصورة المتداولة في الإعلام. ومن ينجح في صياغة الرواية الأولى يملك قدرة كبيرة على توجيه الإدراك العالمي، وربما حسم جزء من المعركة سياسيًا وأخلاقيًا قبل أن تبدأ عسكريًا.

ومن يتأمل كثيرًا من الصراعات الدولية المعاصرة، ومنها الحرب الأمريكية–الإسرائيلية مع إيران، يلاحظ أن المعركة الأولى ليست في الميدان بل في الإعلام. إذ تتشكل منذ البداية روايات متعددة: رواية الأمن والدفاع، ورواية النووي، ورواية الضحية، ورواية الخطر القادم. وكل رواية تسعى إلى كسب التعاطف الدولي وإقناع الرأي العام بشرعية الموقف.

وهنا يظهر ما يسميه خبراء الاستراتيجيات الحديثة «صناعة الإدراك»؛ أي القدرة على التأثير في الطريقة التي يفهم بها الناس الحدث. فليس المهم فقط ما يحدث على الأرض، بل كيف يُقدَّم للعالم وكيف يفسره الجمهور. وقد تُصاغ الأحداث بطريقة تجعل خسارة صغيرة تبدو كارثة، أو تجعل مكسبًا محدودًا يبدو انتصارًا كبيرًا. وهكذا تصبح الصورة الإعلامية أحيانًا أقوى من الوقائع الميدانية نفسها.

لقد دخل العالم عصرًا أصبحت فيه الرواية جزءًا من القوة الاستراتيجية للدول. فالإعلام الدولي، ومنصات التواصل، والصورة الرقمية، والذكاء الاصطناعي؛ كلها أدوات قادرة على تشكيل الإدراك الجماعي وتوجيه الرأي العام العالمي في اتجاه معين. ولذلك لم تعد المعركة بين الجيوش وحدها، بل بين خطابات وروايات وصور ذهنية.

ومن هنا يمكن القول إن مقولة «الحرب خدعة» ما زالت صحيحة، لكنها في عصرنا اكتسبت بعدًا أوسع. فالحيلة لم تعد فقط في حركة الجيوش، بل في إدارة الوعي وصناعة الرواية وتوجيه الإدراك. ولهذا أصبحت حرب الوعي أخطر من الحرب التقليدية؛ لأنها تستهدف العقول قبل الميادين، وتؤثر في القناعات قبل أن تؤثر في الجغرافيا.

إن العالم اليوم يعيش مرحلة تتحول فيها العقول إلى جبهات قتال، والصورة إلى سلاح، والخبر إلى أداة تأثير. ومن ينجح في إدارة هذه المعركة غير المرئية قد يربح نصف الحرب قبل أن تبدأ المعركة العسكرية نفسها.

ختامًا،
تقع على عاتق الجميع مسؤولية الوقوف في وجه سيل الشائعات والتصدي لها بحزم، وعدم الانجرار خلف الحسابات المضللة أو الأخبار المفبركة التي تنتشر في الفضاء الرقمي. فليس كل ما يُنشر حقيقة، ولا كل ما يُتداول خبرًا موثوقًا. ومن هنا تبرز أهمية الرجوع إلى المصادر الرسمية الموثوقة التي تمثل المرجع الأصدق للمعلومة في أوقات الأزمات.

إن الوعي بهذه المعركة غير المرئية يمثل خط الدفاع الأول في مواجهة التضليل، لأن حروب الوعي لم تعد ترفًا فكريًا أو موضوعًا للنقاش النظري، بل أصبحت ضرورة لفهم السياسة والإعلام والصراعات الدولية في زمنٍ تتقدم فيه الرواية أحيانًا على الرصاصة، ويغدو الإدراك ساحة المعركة الأولى.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى