تناقلت الألسن وحملت القلوب على مر السنين في مجتمعاتنا عبارة ((الأقارب عقارب )) وهي عبارة ابتكرها ضعاف النفوس للمباعدة بين الأسر وتعطيل منهج صلة الرحم وتحقيق مدخل من مداخل الشيطان التي يسلكها للتفريق بين الناس .
ومع أن الحريصين على تأصيل هذه العبارة قِلَّة قَلِيلة إلا أن تأثيرهم وخاصة على الأسر والمجتمعات يبدو واضحاً فبدلاً من الأعياد الجماعية أصبحت كل أسرة تقضي مراسم العيد بمفردها وبدلاً من أن يتزوج الشاب من أقاربه والفتاة من أقاربها صار الآباء والأمهات يبحثون عن البعيد خوفاً من العقارب .
تلك الفئة حذرت الناس من زواج الأقارب بدعوى الأمراض الوراثية والخوف من المشاكل العائلية بينما تحدث المشاكل العائلية والأمراض الوراثية بقضاء الله وقدره حتى لو لم يكن هناك صلة قرابة فقضاء الله نافذ ولله الأمر من قبل ومن بعد .
حتى الصداقات هناك من يخاف أن يكون أصدقاء أبنائه من أقاربه خوفاً من العقارب كما أسلفنا .
بينما الأقارب بشر، فيهم الضعيف وفيهم القوي، فيهم الرحيم وفيهم القاسي، فيهم الصادق وفيهم المخطئ. وما العقرب إلا استثناء مؤلم، لا قاعدة تُبنى عليها الأحكام. فاللدغة فعل فرد، والخيانة سلوك لا يُورَّث.
نعم، قد يأتي الأذى من الأقرب، لا لأن القرابة تُفسد، بل لأن التوقعات تكبر، ولأن القلب يفتح أبوابه بلا حذر ،ونحن في الغالب لا نوجع إلا مِن مَن منحناه ثقة، ولا نخيب إلا عند من انتظر منا الكثير ،وهنا مكمن الألم، لا في القرابة ذاتها، بل في هشاشة النفوس حين تُمتحن.
كم من قريبٍ كان ظهرًا لا يميل، وملاذًا حين تخون الطرق، وصوتًا دافئًا في ليالي الانكسار، وكم من يدٍ امتدت دون مصلحة، فقط لأن بين الكفين رحمًا لا يُساوَم عليه، هؤلاء لا يُذكرون حين تُقال العبارة الجارحة، ( الأقارب عقارب ) !!!! .
إن اختزال العلاقات الأسرية في تجارب فاشلة ظلمٌ مضاعف ،ظلم لمن أحسنوا، وظلم لأنفسنا حين نغلق نوافذ الثقة ونعيش على حذر دائم، فالشك الدائم سُمّ بطيء، لا يلسع مرة واحدة، بل ينهش الروح بصمت.
الحقيقة التي يجب إدراكها هي أن الأقارب ليسوا عقارب بل مرآة للمجتمع، وميدان للاختبار الأخلاقي ، من أحسن فيهم أحسن إليهم، ومن أساء فإساءته تُحسب عليه وحده، لا على شجرة النسب بأكملها.
ولعل النضج الحقيقي أن نُحسن بلا سذاجة، ونحذر بلا قسوة، ونحفظ للرحم مكانتها دون أن نُقدّس الخطأ أو نبرر الأذى.
فليست الحكمة أن نُعمّم،ولا النجاة في القطيعة،بل في وعيٍ يقول بهدوء:
الأقارب أقارب وعلينا أن نتحملهم ونقترب منهم ونحتويهم ونتغافل عن زلاتهم ونغض الطرف عنهم .
• كاتب رأي ومستشار أمني






