المقالات

العلاقات السعودية – اليمنية: عمق الجوار، وأخوة المصير، وشراكة الاستقرار والتنمية

تُقدّر المملكة مكانة اليمن الرفيعة في التاريخ الإسلامي، لما قدمه أبناؤه من إسهامات دينية وعلمية وسياسية وحضارية أثّرت في مسار الأمة الإسلامية عبر القرون. فقد ذُكرت اليمن في القرآن والسنة، وكان لليمنيين دورٌ بارز في بناء الدولة الإسلامية، كما أن لليمن مكانته العلمية والدعوية في نشر الإسلام خارج الجزيرة العربية، بالإضافة إلى مساهمته في التاريخ السياسي الإسلامي بدوله وإماراته الإسلامية وبُعده الحضاري، وكونه رافدًا أصيلًا من روافد التاريخ الإسلامي. ولا يزال اليمن، رغم المحن، يحمل في تاريخه الإسلامي رصيدًا عظيمًا يؤهله للنهوض من جديد والمساهمة في نهضة الأمة إذا توفرت له عوامل الاستقرار.

وعلاقات الجوار بين اليمن والسعودية علاقات قوية وعميقة ومتداخلة. وقد تعرّض اليمن لحالة من عدم الاستقرار بأوجه مختلفة، لا يقف تأثيرها على اليمن وحده، بل يضر بدوله المجاورة. ونظرًا لذلك نجد أن المملكة ترى أن اليمن يمثل عمقًا استراتيجيًا وأمنيًا لها وللمنطقة العربية عمومًا.

ومنذ اندلاع الأزمة اليمنية وسيطرة جماعة الحوثي على مؤسسات الدولة، بادرت المملكة إلى قيادة تحالف عربي دعمًا للشرعية اليمنية ومنعًا لانهيار الدولة وتحول اليمن إلى قوة مهدِّدة إقليميًا. ومع تقدم الصراع اليمني وتباين أجندات بعض أطراف التحالف، تبرز الحاجة اليوم إلى رؤية جديدة لدور المملكة والتحالف في صناعة يمن آمن ومستقر قائم على دولة قوية وحكومة شرعية.

ولذا نجد أن علاقة المملكة باليمن لا تُختزل في الجغرافيا أو السياسة الآنية، بل هي علاقة تاريخ ودين وأمن ومصير مشترك؛ فاليمن يمثل العمق الجنوبي للمملكة، وأي استقرار أو اضطراب فيه ينعكس مباشرة على أمن المملكة ووحدتها واقتصادها ودورها الإقليمي.

ليتحول التحالف — بعد خروج الإمارات من تحالف عسكري — إلى تحالف لبناء الدولة، للانتقال من منطق إدارة الحرب إلى منطق صناعة السلام والاستقرار، والعمل على التمكين الشامل للحكومة اليمنية الشرعية بالتمكين السياسي والإداري والمؤسسي والدبلوماسي، وبناء جيش وطني وأجهزة أمن موحدة بدمج جميع التشكيلات المسلحة لحماية وحدة اليمن ورفض مشاريع التقسيم، والعمل على إعادة الإعمار والتنمية كمدخل للاستقرار بإنعاش الاقتصاد الوطني عبر مشاريع استراتيجية مستدامة، بما يؤدي إلى تحييد اليمن عن صراعات المحاور الإقليمية، بشراكة أمنية سعودية – يمنية طويلة المدى.

ولدى المملكة القدرة، عبر تحالفها، أن تصنع يمنًا آمنًا ومستقرًا إذا انتقلت من منطق إدارة الصراع إلى منطق بناء الدولة، ومن دعم القوى إلى دعم المؤسسات، ومن الحسابات المؤقتة إلى الرؤية الاستراتيجية طويلة المدى. واستقرار اليمن ليس عبئًا على المملكة، بل هو خط الدفاع الأول عن الجزيرة العربية ومستقبل المنطقة بأكملها. ومن هذا المنطلق فإن الدور السعودي في اليمن لا يمكن قراءته كفعل سياسي منفرد، بل كجزء من مسؤولية قانونية وأمنية وإقليمية تستند إلى قواعد راسخة في القانون الدولي.

• عضو هيئة تدريس سابق بقسم الإعلام – جامعة أم القرى
• مقيم في الولايات المتحدة الأمريكية

د. فيصل أحمد الشميري

عضو هيئة التدريس بقسم الإعلام بجامعة أم القرى سابقًا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى