
لم تكن الوعكة الصحية التي ألمت بي مجرد عارض جسدي عابر .. بل كانت درسًا مكتوبًا بلغة أخرى .. لغة لا تدرس في القاعات ولا تحفظ في الكتب بل تعاش حين يضعف الإنسان وتضيق عليه الدنيا ثم يفتح الله له نافذة رحمة من حيث لا يحتسب.
في تلك الأيام التي وجدت نفسي فيها السرير الأبيض بمجمع الملك عبدالله الطبي – محافظة جدة شعرت لأول مرة بأن الزمن يمكن أن يصبح بطيئًا .. وأن النفس قد تتعب من مجرد محاولة التنفس الطبيعي وأن الجسد حين يئن لا يطلب كثيرًا: يطلب يدًا حانية كلمة مطمئنة نظرة لا تشعرك أنك رقم بل إنسان له كرامته ومكانته وآلامه.
ومع أول لحظة دخول أدركت أنني لست في مكان يقدم خدمة علاجية فحسب بل في منظومة تتقن معنى “الإنسان أولاً”. ممرات نظيفة انضباطٌ يبعث على الطمأنينة تنظيم يختصر عليك القلق ووجوه تحمل ملامح الجدية .. لكنها لا تخلو من ابتسامة ترمم الداخل قبل الدواء.
ملائكة الرحمة .. حين يصبح “الواجب” عبادة
هناك .. رأيت بعيني حقيقة ما كنت أسمعه كثيرًا:
أن الكوادر الصحية هم “ملائكة الرحمة” بحق يجتمعون على ميثاق واحد: ليخففوا ألم المريض ويمنحوه شعورًا بالأمان.
ممرضة تبحث بمهنية عالية عن مكان الوريد الأنسب قبل أن تعطى الدواء وكأنها تقول: “لا بأس عليك”. طبيب يستمع بتأن لا يقاطعك ويشرح لك الأمر بلغة واضحة لا تتعالى ولا تربك. فني يأتي في ساعة متأخرة وكأن الليل نهار في عينيه يبتسم ويطمئنك: “الأمور طيبة بإذن الله”. طاقم يبدل نوبات العمل لكن الرحمة لا تتبدل والسهر لا ينقطع والاهتمام لا يهبط —even حين تكون أنت متعبًا لا تملك إلا الصمت.
ما شدني ليس فقط الاحترافية العالية بل ذلك الإخلاص الخفي الذي لا يبحث عن تصفيق. عمل متواصل على مدار الساعة دون كلل أو ملل تتكامل فيه الأدوار: من الإسعاف إلى التشخيص إلى التمريض إلى الدعم الإداري .. كأن الجميع في سفينة واحدة هدفها ألا يغرق مريض في خوفه أو ألمه.
مملكة الإنسانية .. قولًا وعملًا
في تلك التجربة انفتح في داخلي “غيضٌ من فيض” من التأمل في مآثر هذه البلاد المباركة .. مملكة الإنسانية التي لم تكتف بالشعارات بل جعلت الإنسان محورًا: في الصحة وفي الأمن وفي الاستقرار وفي كرامة العيش.
قد نعتاد النعم حتى تصبح جزءًا من المشهد اليومي لكن حين تمر بتجربة مرض – ولو قصيرة – تدرك أن أعظم النعم ليست ما نملكه في أيدينا بل ما يحيط بنا من رعاية حين نضعف.
أن تكون في وطن تتكامل فيه منظومة الصحة وتحترم فيه كرامة المريض ويعامل فيه الإنسان باعتباره أمانة .. فهذه نعمة لا تقاس بالأرقام وحدها بل بما تحدثه من سكينة في الروح.
الشكر .. ليس كلامًا عابرًا
خرجت من تلك الوعكة بدرس واضح: أن الشكر ليس عبارة نكتبها بل سلوك نعيشه
شكرٌ لله أولًا على العافية وعلى لطفه ثم شكر لكل يد عملت بصمت ولكل قلب حمل أمانة مريض لا يعرفه ومع ذلك خدمه كأنه قريب له.
وكم تمنيت في خضم الألم أن أملك القدرة على تسجيل أسماء كل من وقف معي .. لأن الجميل لا ينسى وبعض المواقف تكتب في الذاكرة لا في الورق. وقد يكون أجمل ما في هذه التجربة أنها أعادت ترتيب الأولويات في داخلي: أن الصحة ليست تفصيلًا وأن الأمن نعمة عظيمة وأن وجود قيادة رشيدة ووطن مستقر هو من أعظم الأرزاق.
دعاء يليق بالمقام
فاللهم احفظ بلاد الحرمين الشريفين واحفظ قيادتها الرشيدة وأدم عليها الأمن والأمان والاستقرار وبارك في كوادرها الصحية وكل من يعمل بإخلاص على راحة المرضى وخدمة الناس.
اللهم اجعلنا من الشاكرين حقًا لا قولًا فقط ووفقنا لنرد النعم بطاعة وإحسان وخدمة للخلق وأن نكون لبنات خير في كل مجال من المجالات.
فلك الحمد يا رب العالمين .. على نعمة وطن صار مضرب المثل إقليميًا وعالميًا وعلى رحمة رأيناها تمشي على أقدام ساهرة وقلوب مخلصة وأيد تعمل وهي تبتغي وجه الله الكريم.


