المقالات

الإسراء والمعراج: إعجاز يثبت اليقين وتشريع يصنع الإنسان

الصلاة .. هدية السماء ومعراج القلوب

ليلة الإسراء والمعراج ليست “قصة خارقة” تروى للتعجب فحسب بل مدرسة إيمانٍ تربي العقل والروح معًا: إعجاز يوقظ اليقين وتشريع يبني الحياة ودروس تصلح القلب والواقع. إنها ليلة جاء فيها الجبر بعد الكسر والرفعة بعد الضيق والطمأنينة بعد العناء .. لتقول لكل مؤمن: إذا ضاقت بك الأرض، فباب السماء مفتوحٌ لمن صدق.

أولًا: الإسراء والمعراج… إعجاز يثبت ويطمئن

الإعجاز في هذه الليلة ليس مجرد “انتقال” من مكان إلى مكان بل هو إعلان رباني أن قدرة الله فوق ما يحده العقل البشري من قوانين وزمن ومسافات.

لكن الأجمل: أن الإعجاز لم يأت للتسلية بل للتثبيت. حين اشتد أذى الناس على النبي ﷺ جاءته السماء بمعنى عملي:

الابتلاء لا يعني الهجر بل قد يكون مقدمة اختيار أوسع ورحمة أقرب.

ومن هنا نفهم درسًا عميقًا:

ليس كل باب يغلق عقوبة وليس كل تأخير حرمانًا .. أحيانًا يعاد ترتيب الطريق ليرتقي القلب قبل أن يصل الجسد.

ثانيًا: من مكة إلى القدس .. بوصلة الرسالة ووحدة المعنى

لم يكن اختيار القدس محطة عابرة إنها رسالة اتصال روحي وتاريخي بين مواطن الوحي ووحدة الأنبياء ووحدة التوحيد. في هذه الرحلة يتعلم المؤمن أن الإسلام لا ينبت من فراغ بل يمتد في سلسلة الهداية: دعوة واحدة وغاية واحدة: أن يعرف الإنسان ربه ويعمر الأرض بالحق.

وهنا تأتي العبرة:

من أراد أن يفهم الإسلام فهمًا صحيحًا فليقرأه كمنهجٍ لصناعة الإنسان لا كعنوانٍ للهوية فقط لأن جوهره إصلاح القلب ثم إصلاح العالم.

ثالثًا: المعراج .. ارتقاء قبل الانطلاق

في المعراج نرى قانونًا ربانيًا في التربية: قبل أن تفتح لك آفاق الرسالة والعمل يفتح لك أولًا باب القرب.

فالعطاء الكبير يحتاج قلبًا كبيرًا والقلب الكبير لا يصنعه الرخاء وحده .. بل تصنعه محطات الصدق حين ينفرد الإنسان بنفسه أمام ربه.

وهنا درس العمر:

إذا أردت أن تتغير حياتك فابدأ من الداخل.

فكم من إنسان يركض في الأرض بحثًا عن السلام .. بينما السلام في لحظة خلوة صادقة ودمعة تغسل بها القسوة وسجدة تصالح بها الروح.

رابعًا: التشريع العظيم .. الصلاة هدية الليلة

أعظم ما خرجنا به من الإسراء والمعراج ليس وصف الطريق بل هدية الصلاة.

الصلاة ليست “تكليفًا ثقيلًا” لمن فهمها بل رفعة يومية. إنها موعد ثابت يتكرر ليقول لك:

ضع همك هنا .. وخذ قوتك من هناك.

الصلاة تشريع يربط السماء بالأرض خمس مرات في اليوم: فتعلم الانضباط بلا قسوة، وتهذب الوقت بلا تعقيد، تسكن القلق بلا مخدر، فتعيد ترتيب الأولويات: الله أولًا .. ثم كل شيء يأخذ قدره الحقيقي.

ومن معانيها العميقة: أن الله لم يجعل القرب “مرة في العمر” بل جعله عادة يومية .. معراجًا يتكرر لمن أراد أن يرتقي.

خامسًا: دروس وعبر .. حين تضيق الدنيا

في الإسراء والمعراج رسائل عملية لكل من يمر بمحنة:

1. بعد الشدة فرج ليس بالضرورة كما تتخيل لكنه كما يختاره الله لك.

2. الكرامة ليست في تصفيق الناس بل في ثباتك حين يغيب التصفيق.

3. الصدق هو المسافة الحقيقية إلى الله .. وليس طول الطريق ولا كثرة الكلام.

4. الابتلاء قد يكون تهيئة لمرحلة أعلى في حياتك وإيمانك وعطائك.

5. اجعل لك معراجًا يوميًا .. ركعتان بإخلاص دعاء بحضور قرآن بتدبر .. وسترى كيف تتبدل الأيام.

هي ليلة تلخص الطريق

فالإسراء والمعراج ليست ذكرى تزار في التقويم ثم تترك بل “خارطة طريق” .. إعجاز يثبت اليقين وتشريع يربي الإنسان ودروس تعيد المعنى للألم وتحول الضيق إلى قرب. فإذا ثقل عليك حمل أو ضاقت عليك الدنيا تذكر: إن رب السماء الذي أسرى بنبيه ﷺ قادر أن يسري بك من همك إلى سكينتك .. وأن يجعل من سجدة صادقة معراجًا من نور

أ.د. عصام بن إبراهيم أزهر

رئيس وحدة الكائنات المعدية مركز الملك فهد للبحوث الطبية جامعة الملك عبد العزيز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى