في المدن الكبرى، الانقطاعات الكهربائية ليست حدثًا استثنائيًا.
حرارة مرتفعة، أمطار موسمية، ضغط على الشبكة، أعمال صيانة. هذا واقع حضري معروف في أي مدينة كبيرة، ويعرفه الناس ويتعايشون معه. لا أحد يتوقع شبكة لا تخطئ، ولا خدمة بلا أعطال.
الحدث نفسه ليس المشكلة.
المشكلة تبدأ بعده.
يعود التيار، لكن الأثر قد لا يعود معه.
وهنا تتعدد أشكال الأعطال، وتتفاوت آثارها، وتغيب معها معايير واضحة للتعامل المسؤول والمهني.
أحيانًا يكون الخلل تذبذبًا أو ارتفاعًا في الجهد؛ يعود التيار، لكن كمبرسور المكيف أو الثلاجة لا يعود.
وأحيانًا يكون الضرر صامتًا؛ الجهاز يعمل، لكن عمره الافتراضي قُصِّر فجأة.
وفي حالات أخرى، يمتد الأثر إلى محتويات الثلاجة أو الفريزر؛ غذاء فسد، أدوية تلفت، وخسائر لا تُقاس بجهاز واحد.
وقد يكون الخطر مباشرًا؛ التماس كهربائي في لوحة توزيع، أو توقف مصعد بسبب خلل في التغذية، وهو توقف لا يُعد تفصيلًا حين يعتمد عليه كبار في السن أو من لا يستطيعون الحركة دون مصعد.
هذه ليست سيناريوهات نادرة. هي أشكال معروفة للأعطال في المدن الكبرى، وتتطلب تعاملًا يتناسب مع خطورتها وأثرها، لا مع زمن الانقطاع فقط.
المعضلة أن الإجراء بعد الانقطاع لا يواكب هذا التنوع في الأثر. التعويضات الحالية – حين تُمنح – غالبًا رمزية، لا تقترب من كلفة كمبرسور، ولا تعوّض خسائر محتويات، ولا تُقارن بخطر توقف مصعد في مبنى يعتمد عليه سكانه اعتمادًا كليًا. هنا تظهر فجوة واضحة بين حجم الضرر وآلية المعالجة.
في المقابل، تمتلك مؤسسة الكهرباء منظومة قوية:
شبكة وطنية واسعة، استثمارات ضخمة، أنظمة تشغيل ورصد، وتحكم بالأحمال، وانضباط مالي صارم في الفوترة والتحصيل. هذه قوة مؤسسية حقيقية، ولا جدال فيها. لكنها لا تنعكس دائمًا بالقوة نفسها عندما يكون الطرف الآخر متضررًا.
المطلوب ليس تعويضًا تلقائيًا بلا تحقق.
المطلوب تحقق مهني ميداني. عندما يُشتبه بضرر ناتج عن خلل في الجهد، يجب أن تكون هناك آلية واضحة:
فرق فنية تدخل المنازل، تفحص القواطع، تقيس الجهد، تعاين الأجهزة المتضررة، وتُصدر تقريرًا مهنيًا حاسمًا. مسؤولية الشبكة أو خارجها. القرار واضح، والزمن قصير، والإنصاف قائم على فحص لا على مراسلات.
وعندما يتوقف مصعد بسبب خلل كهربائي، لا يكفي إعادة التيار. هذا حدث سلامة، يتطلب أولوية قصوى، ومعاينة، وتأكيد جاهزية قبل إعادة الخدمة. لأن التأخير هنا لا يُقاس بالانزعاج، بل بالخطر.
المنزل ليس نقطة استهلاك فقط. هو نهاية الشبكة.
وما يحدث داخله امتداد مباشر لجودة الخدمة، لا شأنًا خاصًا يُترك لصاحبه. وهنا يتحدد موضع الخلل الحقيقي: ليس في الشبكة، بل في إدارة الأثر.
التحول الوطني وبرامج جودة الحياة رفعت سقف التوقعات بإرادتها. ليس المطلوب تقليل الأعطال إلى الصفر، بل تقليل القلق والخطر إلى الحد الأدنى. أن يعرف المواطن أن الانقطاع، إن وقع، فله ما بعده: فحص، قرار، وتعويض متناسب مع حجم الضرر.
التحسينات الرقمية القائمة خطوة مهمة ومقدّرة.
لكن الخطوة التالية هي تحويلها إلى سياسة واضحة لإدارة ما بعد الانقطاع: تصنيف للأعطال حسب خطورتها، استجابة ميدانية عند الاشتباه بضرر، وتعويضات تعكس الكلفة الحقيقية لا رمزيتها.
في المدن الكبيرة، لا تُقاس كفاءة الكهرباء بقدرتها على إعادة التيار فقط، بل بقدرتها على إعادة الطمأنينة معه.
الشبكات قد تكون قوية، والمحطات متقدمة، والاستثمار حاضرًا، لكن التجربة تُحسم في التفاصيل الصغيرة التي تتكرر داخل البيوت.
الانقطاع حدث عادي. الأثر هو الاختبار.
والإجراء هو الفارق.
حين تكون المؤسسة صارمة في التحصيل، دقيقة في الفوترة، وسريعة في استعادة الخدمة، فمن الطبيعي أن يُنتظر منها الصرامة نفسها في مواجهة التقصير، والدقة نفسها في تقدير الضرر، والسرعة نفسها في إنصاف المتضرر.
هنا فقط تتكامل المنظومة. وهنا فقط يصبح الإنجاز التقني قيادة مؤسسية. فالقضية، في جوهرها، ليست في الأسلاك ولا في المحولات، بل في تلك المسافة الصامتة بين عودة التيار وعودة الثقة. هناك تتجلّى الحقيقة كاملة: قوة الشبكة… وضعف الإجراء.






