المحلية

«عبدالله الغفيري».. شاعر جزل ينحت قصيدته من صخر الكلمة

يرفض المهاترات والثنائيات.. ويؤمن بقيمة المعنى وجودة البيت

منذ البدايات التي تشكلت فيها ذاكرته وسط أصداء الشعر، صنع الشاعر عبدالله الغفيري ملامح مسيرته بهدوء الواثق من إمكانياته، جامعاً بين عفوية الارتجال وجزالة الكلمة، ولم تكن رحلته وليدة مصادفة، بل ثمرة دعم أسري ووفاء قبلي وصبر مديد في مواجهة التحديات، حتى غدا اسمه حاضراً وثابتاً في ميادين المحاورة والنظم، وقد مضى «الغفيري» بعطائه واثق الخطوة، معتلياً قمة الإبداع فلا تحركه الرياح العابرة ولا تغويه أضواء الساحة، ومؤمناً بأن الشعر مسؤولية قبل أن يكون مشاركة.

وفي حديثه لصحيفة مكة الإلكترونية، لا يكتفي «الغفيري» بسرد مسيرة شاعر، بل يستعرض تصورًا متكاملًا للفنون الشعرية، ينطلق من قناعة بأن الإبداع الحقيقي لا تصنعه «الترندات» ولا تحكمه ثنائيات الشعراء، بل يفرض نفسه بقوة المعنى وجودة البيت، ويقدم «الغفيري» حضوراً شعرياً متميزاً يعكس قيمته كشاعر يعرف ماذا يريد من موهبته، كما يتعامل مع الساحة الشعرية بوعي ومسؤولية، بما يؤكد احترامه للموروث، والحفاظ على أصالته الفنية.

ويتناول هذا الحوار محطات «الغفيري» في بداياته الشعرية، ورؤيته لفن المحاورة والنظم، وتجربته في مسابقة «شاعر الإبداع» ومجال الشيلات، إضافة إلى موقفه من الساحة الشعرية والسوشال ميديا وظاهرة «الترند»، وصولًا إلى طموحاته المستقبلية ونصائحه للشعراء، في إطار مهني متوازن يعكس واقع مسيرته الشعرية… فإلى نص الحوار:

1. متى بدأت علاقتك بالشعر؟ ومن دعمك قبل الجمهور؟
بدأت علاقتي بالشعر في وقت مبكر جداً، إذ كنت أحفظ بعض الأبيات الشعرية، وأتذوق المعنى منذ نعومة أظفاري، قبل أن تتشكل لدي ملامح الكتابة الفعلية مع نهاية المرحلة المتوسطة، وفي تلك المرحلة لم يكن الجمهور حاضراً بعد، لكن الدعم الحقيقي جاء من عائلتي والأصدقاء المقربين، الذين آمنوا بما أكتب، فكانوا السند الأول الذي منحني الثقة للاستمرار في هذا المجال.

2. كيف تقدم نفسك اليوم: شاعر محاورة أم نظم أم أمسيات أم شيلات؟
أقدم نفسي كشاعر قادر على خوض جميع هذه المجالات، فأنا لا أؤمن بحصر الشاعر في قالب واحد، فمتى ما امتلك الأدوات وحسن التمكن، والقدرة الكاملة على التنقل بين الفنون الشعرية، فإنه يستطيع خدمة الساحة وإثراءها، ويرضي جمهورها.

3. هل تميل شاعريتك للعفوية أم للصنعة؟
أميل بطبيعتي إلى العفوية والارتجال، مع المحافظة على الجزالة، لأنني أرى أن الشاعرية الصادقة غالباً تكون مؤثرة، وحين تخرج بعفويتها تصل إلى المتلقي لها بعمق أكبر.

4. من الشاعر الذي تأثرت به؟
تأثرت بعدد كبير من الشعراء، فالساحة مليئة بشعراء كبار، ولا أستطيع حصر هذا التأثر في اسم واحد، لأن كل تجربة حقيقية تضيف للشاعر شيئاً من الوعي والذائقة.

5. ما دور دعم قبيلتك في مسيرتك الشعرية؟
دعم قبيلتي كان حاضراً وبقوة، فالقبيلة وشيوخها كان لهم مواقف مشرفة لا تنسى، والمواقف خير برهان على هذا الدعم اللامحدود، وهو دعم أعتز به وأعتبره دافعاً للاستمرار وتحمل المسؤولية.

6. هل واجهت صعوبات في مسيرتك؟
نعم، واجهت صعوبات في بداياتي، خاصة مع التزاماتي الدراسية ما بين المدرسة والجامعة، لكن مع الوقت توازنت الأمور ولله الحمد، وأصبحت أدرك كيفية توزيع طاقتي بشكل متوازن، دون الإهمال بأي جانب.

7. من هو شاعر المحاورة القادر على قيادة الحفلة إلى النجاح؟
من وجهة نظري، هو الشاعر الذي يجمع بين الكاريزما وجزالة الشعر والقبول الجماهيري، فهذه العناصر حين تجتمع تصنع شاعراً قادراً على قيادة الحفلة ورفع مستواها.

8. هل ترى أن المحاورة اليوم أقرب للإبداع أم للاستعراض؟ ولماذا؟
بصراحة أرى أن الاثنين موجودان في الساحة، ولا يمكن حصر المشهد في اتجاه واحد، فلكل مرحلة أدواتها، ولكل شاعر طريقته.

9. ما أهم مهارة تميز شاعر المحاورة؟ وهل المهاترات قوة شعرية؟
أهم ما يميز شاعر المحاورة السرعة البديهة في الرد والقدرة على النقض والفتل، إضافة إلى قوة المفردة والمعنى والثقافة العامة، أما المهاترات أو النزول فلا أراها قوة شعرية، بل قد تضعف قيمة القصيدة.

10. هل تؤمن بالثنائيات في المحاورة أم تراها مقيّدة للساحة؟
الثنائيات موجودة في الساحة، لكنني شخصياً لا أؤيدها، لأنها قد تقيد الشاعر وتحد من حريته الإبداعية في الشعر.

11. ما أكثر فخاً يقع فيه شاعر المحاورة؟ ومن يعجبك من الشعراء؟
أكثر ما يقع فيه الشاعر هو التمريرات والمعاني الخفية التي قد تنقلب عليه، وأنا يعجبني من شعراء المحاورة كل شاعر جزل يقدم شعراً حقيقياً بعيداً عن التكلف.

12. هل شعر المحاورة أسهل من الشقر في العرضة الجنوبية؟
كلا المجالين صعب، ولكل فن تحدياته الخاصة، ولا يمكن اختيار أحدهما من حيث السهولة.

13. لماذا دخلت مسابقة شاعر الإبداع؟
دخلت المسابقة انطلاقاً من قناعتي بأن شعر المحاورة فن عريق لدى قبيلة بني مالك، وخرج منها أوائل شعراء القلطة، مثل عبادل المالكي، وعلي بن زايد الجهلاني المالكي، وعوض بن سليم الجهلاني المالكي، وأنا أسير على نهجهم المتميز، وأمثل امتداداً لهذا الإرث الشعري.

14. كيف كانت كواليس المشاركة؟
الضغط والمنافسة والتحكيم، جميعها كانت صعبة، لكن مع العزيمة والإصرار تهون الصعاب.

15. هل أنصفك المركز الثالث؟
طموحي كان أكبر، لكنني لا أشعر أنني ظلمت، والمركز الذي حققته أحترمه، والقادم بإذن الله أجمل.

16. كيف غيرت الجائزة نظرتك للشعر؟
الشعر بالنسبة لي عشق وهواية قبل أي شيء، والجانب المادي لا يشكل دافعاً رئيسياً في مسيرتي.

17. هل زادت المسابقة من جمهورك؟
نعم، زادت خبرتي، وكذلك جمهوري بشكل كبير جداً، ولله الحمد، ولهم مني كل التحايا القلبية.

18. أبرز إيجابيات وسلبيات المسابقة؟
الإيجابيات كثيرة، منها شهرة ووجاهة وزيادة خبرة، ومعرفة ثقافات ومناطق جديدة، وتطور في الشخصية والإدراك، وعلاقات اجتماعية، وحتى أنني تصدرت الترند في حينها، أما السلبيات فلا أرى شيئاً يذكر من وجهة نظري.

19. ما حدود مشاركاتك في النظم؟
مشاركات لا حدود لها، ومعظم الطلبات التي تصلني تكون في مجال النظم، وتشمل موضوعات متنوعة حسب المناسبات.

20. ما أبرز الأسئلة عند طلب قصيدة؟
بطبيعة الحال أسأل دائماً عن عدد الأبيات واللحن، ونوع المناسبة، والهدف من القصيدة المطلوبة، حتى تخرج القصيدة بالشكل الذي يرضي صاحب الطلب، وتلامس ذائقته دون إخلال بالقيمة الشاعرية التي أحرص عليها.

21. هل ترفض بعض الطلبات؟
لا أرفض الطلبات، فالشعر غرض ورسالة.

22. ما أقرب قصيدة نظم لك؟
قصيدتي في حفل الإعلامي أحمد بن هشام المالكي بهرجان الصياهد، واعتبرها علامة فارقة في مسيرتي.

23. من أبرز شعراء النظم؟
الأسماء كثيرة، ولا يمكن حصرها، وكلهم مبدعون شعراً وخلقاً.

24. هل السوشال ميديا خدمت مجال الشعر؟
نعم، خدمت الشعر بشكل واضح وكبير، وأسهمت في إيصال القصيدة إلى شريحة أوسع من الجمهور، كما كشفت عن مواهب حقيقية كانت مغمورة، ولم تجد فرصتها سابقًا، والسوشال ميديا اليوم أصبحت منصات مؤثرة، متى ما أحسن استخدامها، وقدم الشاعر نفسه بشكل صحيح.

25. التقييم للقصيدة أقرب للجمهور أم للخبراء؟
يصعب الحكم في هذا الجانب، لأن لكل شخص ذائقته الخاصة ورؤيته المختلفة للشعر، فالجمهور يحكم بما يلامس إحساسه، بينما أهل الخبرة ينظرون إلى الوزن والمعنى والبناء، وكلا الرأيين يظلان حاضرين في المشهد.

26. هل يصنع الترند شاعراً حقيقياً؟
لا أرى أن الترند يصنع شاعراً حقيقياً، فالمبدع يفرض نفسه بقوة ما يقدمه، سواءً ظهر في الترند أم لا، والترند قد يسلط الضوء لكنه لا يصنع الموهبة ولا يضمن الاستمرارية.

27. ما الذي ينقص ساحة الشعر؟
من وجهة نظري، لا ينقص ساحة الشعر شيء، فالإمكانيات متوفرة والمواهب كثيرة، والساحة مليئة بالشعراء المبدعين، ويبقى الاجتهاد والصدق هو الفيصل الحقيقي للشعراء في مسألة الحضور والثبات. 

28. سبب غياب مشاركاتك بحفلات العرضة؟
لي مشاركات في العرضة، وإن كانت محدودة في بعض الفترات، لكنني حريص على الحضور متى ما سنحت الفرصة، والقادم بإذن الله يحمل مشاركات أوسع وأجمل.

29. هل شاركت بقصائد عرضة؟
نعم، شاركت في عدة محافل بقصائد عرضة، ووجدت تشجيعاً كبيراً من كبار شعرائها، إضافة إلى تفاعل لافت ومشجع من الجمهور وهو ما أعتز به دائماً.

30. كيف تقيم حفلات العرضة اليوم؟
لا شك أن الساحة فقدت هامات وشعراء كبار كان لهم حضورهم وتأثيرهم، لكن رغم ذلك لا تزال العرضة الجنوبية عامرة حالياً بالنجوم والشعراء المبدعين، وقادرة على العطاء والتجديد.

31. كيف ترى تصريح محمد بن حوقان عن ارتباط نجاح الشاعر بقبيلة زهران؟
أراه وجهة نظر تحترم للغاية، ولكل شاعر قراءته الخاصة عن الساحة.

32. لو لم تكن شاعراً ماذا ستختار؟
كنت سأختار العمل في المجال العسكري، وتحديدًا ضابطاً.

33. من أول من يسمع قصيدتك؟
صديق مقرب أثق بذائقته ورأيه، وأحرص على سماع ملاحظاته قبل نشر القصيدة.

34. ما الذي يغضبك ويفرحك في الساحة؟
تغضبني الشللية والسمسرة، لأنها تسيء للشعر وتشوه عدالته، بينما يفرحني أنصاف المبدعين، وتقدير الجهد الحقيقي بعيداً عن المصالح.

35. مشروعك القادم في الشعر؟
المشاريع كثيرة وسترونها على الواقع، أما الديوان الشعري فهو ضمن خططي المستقبلية، وأتمنى أن أقدمه بالشكل الذي يليق بالشعر وجمهوره.

36. هل تسعى للقب؟
لا أسعى خلف لقب محدد، فقد حزت على ألقاب منحني إياها جمهوري، وهذا شرف أعتز به، والقادم بإذن الله أجمل.

37. ما نصيحتك للشعراء القدامى والجدد من ناحية الدعم؟
أنصحهم بالتعاون، وحب الخير لبعضهم البعض، فـيد الله مع الجماعة، والساحة تتسع للجميع متى ما صفت النوايا.

38. كيف تتعامل مع السماسرة في الساحة؟
أتعامل معهم بالتجاهل ولا أعطيهم قيمة أساساً، لأن تصرفاتهم تسيء إلى الموروث وتشوه صورته.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى